رئيسيةمتابعات

تحليل: المغرب في مؤشر جودة النخب 2026.. حين لا يكفي النمو

في الثالث عشر من ماي 2026، أصدرت مؤسسة “Foundation for Value Creation” بشراكة مع جامعة سانت غالن السويسرية النسخة السابعة من مؤشر جودة النخب العالمي (EQx2026)، واضعة المغرب في المرتبة الثانية والتسعين من أصل 151 دولة، متراجعاً بخمسة مراكز مقارنة بنسخة 2025. وقد يبدو الرقم، للوهلة الأولى، مجرد تراجع محدود في سلم التصنيف، لكنه يحمل في العمق دلالات أوسع تتعلق بقدرة النموذج الاقتصادي المغربي على تحويل النمو إلى قيمة جماعية وفرص أكثر اتساعاً داخل المجتمع.

وقبل الخوض في الحالة المغربية، لا بد من فهم ما يقيسه هذا مؤشر جودة النخب العالمي فعلا، إذ كثيرا ما يُختزل في مجرد ترتيب اقتصادي تقليدي. فمؤشر جودة النخب لا يقيس الناتج الداخلي الخام ولا حجم الصادرات ولا نسب النمو السنوية، بل يحاول الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: إلى أي حد تُساهم النخب الاقتصادية والسياسية في خلق القيمة لفائدة المجتمع ككل، بدل الاكتفاء بالحفاظ على الامتيازات أو إعادة إنتاج مراكز القوة الاقتصادية؟ ويرتكز المؤشر على 148 مؤشرا فرعيا موزعة على اثنتي عشرة ركيزة، ضمن أربعة مجالات رئيسية هي القوة الاقتصادية، والقيمة الاقتصادية، والقوة السياسية، والقيمة السياسية، مع تركيز خاص على مفاهيم التنافسية، وتكافؤ الفرص، والاستدامة، والابتكار، وجودة الحكامة.

المرتبة 92 التي جاء فيها المغرب تخفي صورة مركبة ومتباينة في الآن نفسه. فمن جهة، سجل المغرب نتائج إيجابية في عدد من المحاور، محتلاً المرتبة 47 عالمياً في الابتكار والتكنولوجيا، والمرتبة 49 في الصحة والرفاه، و55 في التعليم ورأس المال البشري. وهي مؤشرات تعكس دينامية حقيقية في مجالات الرقمنة، وتوسيع البنية الصحية، وتطوير منظومة التكوين، فضلاً عن الاستثمارات المتزايدة في البنيات التحتية التكنولوجية. غير أن هذه النتائج لم تكن كافية لتحسين الترتيب العام، بسبب استمرار اختلالات بنيوية في مجالات أخرى مرتبطة بتوزيع الثروة، والحركية الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والاستدامة البيئية.

ويشير التقرير، بشكل غير مباشر، إلى أن الاقتصادات التي تعاني ضعف المنافسة أو من تركّز مرتفع للأسواق تجد صعوبة في تحويل النمو إلى قيمة جماعية مستدامة. وفي الحالة المغربية، يتقاطع ذلك مع نقاش اقتصادي متواصل حول طبيعة المنافسة داخل بعض القطاعات الحيوية، مثل الاتصالات والطاقة والعقار، وهي قطاعات كانت موضوع تقارير ودراسات وطنية تناولت تحديات المنافسة والولوج المتكافئ إلى السوق. كما يبرز، في السياق نفسه، استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، سواء في فرص الوصول إلى تعليم جيد أو إلى التمويل أو إلى سوق الشغل، وهو ما يحد من قدرة فئات واسعة، خصوصاً الشباب، على الاستفادة الكاملة من الدينامية الاقتصادية.

ويُطرح أيضاً سؤال العلاقة بين النمو والتشغيل، باعتباره أحد أبرز التحديات البنيوية للاقتصاد المغربي. فرغم تسجيل نسب نمو متفاوتة خلال عدد من السنوات، ما تزال معدلات البطالة مرتفعة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، ما يعكس محدودية قدرة بعض القطاعات على خلق فرص شغل كافية ومستدامة. ويعني ذلك أن جزءاً مهماً من النمو المتحقق يظل متركزاً في قطاعات كثيفة رأس المال أكثر من كونها كثيفة التشغيل.

وتصدرت سنغافورة المؤشر للسنة الثالثة على التوالي، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، نموذجاً قائماً على الاستثمار طويل الأمد في التعليم والابتكار والتنافسية والانفتاح الاقتصادي. وتبرز المقارنة هنا أن مسألة التقدم في مثل هذه المؤشرات لا ترتبط فقط بحجم الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي، بل أيضاً بجودة الاختيارات الاقتصادية والمؤسساتية وقدرة الاقتصاد على خلق فرص متكافئة.

مؤشر جودة النخب العالمي.. اهتمام بتحولات الذكاء الإصطناعي

ويمنح مؤشر جودة النخب العالمي أهمية خاصة للتحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، معتبراً أن الدول التي تستثمر في البنية الرقمية والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي ستكون الأكثر قدرة على تعزيز موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد. وفي هذا السياق، يحقق المغرب تقدماً ملحوظاً في مجالات الرقمنة واستقطاب الاستثمارات المرتبطة بمراكز البيانات والخدمات التكنولوجية، غير أن تحدي تطوير منظومة وطنية للبحث والابتكار في الذكاء الاصطناعي ما يزال مطروحاً، خاصة على مستوى الجامعات ومراكز البحث العلمي.

وما يلفت الانتباه في قراءة مؤشر جودة النخب العالمي هو التقاطع النسبي بين عدد من خلاصاته وبين النقاشات الاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة داخل المغرب خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً تلك المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات الأساسية، والحركية الاجتماعية. وهي قضايا أصبحت حاضرة بقوة سواء في النقاش العمومي أو في التقارير الدولية التي تقيس جودة النمو ومدى شموليته.

ولا يعني تراجع المغرب في مؤشر جودة النخب 2026 أن الاقتصاد المغربي يعيش أزمة شاملة أو أن البلاد تسير نحو التراجع الحتمي، بقدر ما يعكس حدود نموذج تنموي ما تزال ثماره موزعة بشكل غير متكافئ. فالمغرب يحقق تقدماً في عدد من القطاعات الحيوية، خاصة التكنولوجيا والبنيات التحتية والصحة، لكنه ما يزال مطالباً بتعزيز التنافسية، وتوسيع تكافؤ الفرص، وتحسين شروط الحركية الاقتصادية والاجتماعية، حتى يتحول النمو إلى رافعة أكثر شمولاً واستدامة.

فمؤشر جودة النخب لا يقيس فقط حجم الثروة التي تنتجها الدول، بل يقيس أيضاً الكيفية التي تُنتج بها هذه الثروة ومدى انعكاسها على المجتمع ككل، وهو ما يجعل نتائج المغرب في نسخة 2026 أقرب إلى دعوة لمراجعة بعض الاختلالات البنيوية، أكثر من كونها حكماً نهائياً على المسار الاقتصادي للبلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى