
في كل موسم عيد أضحى، يتجدد نفس المشهد: اجتماعات رسمية رفيعة، بلاغات مطمئنة، وأرقام تتحدث عن وفرة في القطيع، مقابل سوق واقعية تتحرك بمنطق مختلف تماما، لا يعترف لا بالبلاغات ولا بخطابات التطمين.
لكن ما تشير إليه المؤشرات القادمة من الأسواق هذه المرة لا يبدو مجرد تكرار روتيني، بل ينذر بضغط متصاعد على الأسعار قد يتحول إلى ما يشبه “مجازر” سيكون المواطن أول المتضررين منها، في ظل فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي ودينامية السوق الفعلية.
الاجتماع الذي عقد أمس بين وزير الداخلية ووزير الفلاحة، والذي جاء في سياق تتبع وضعية تموين السوق والتحضير لعيد الأضحى، يدخل ظاهريا في خانة “التنسيق الحكومي الطبيعي” لضبط العرض وضمان الاستقرار. لكن السؤال الذي يتكرر كل سنة بلا جواب فعلي هو: هل هذه الاجتماعات تمتلك فعلا قدرة على التأثير في السوق؟ أم أنها تبقى في مستوى التقارير والتوصيات التي لا تنعكس بشكل مباشر على الواقع؟
لأن الحقيقة التي يعرفها الجميع، حتى لو تم تجاهلها في الخطاب الرسمي، هي أن السوق الفعلية لا تُدار من داخل الوزارات، بل من داخل شبكة معقدة من الكسابة والوسطاء و”الشناقة”، الذين يملكون قدرة أكبر على التحكم في إيقاع الأسعار اليومي من أي بلاغ رسمي.
هؤلاء لا يتعاملون مع البلاغات أو الأرقام المعلنة كمرجع لسلوكهم. منطقهم يقوم على استثمار لحظة الطلب المرتفع، باعتبار عيد الأضحى فترة ضغط اجتماعي واقتصادي استثنائية، يتم فيها تحويل الحاجة إلى ذروة تسعيرية، بغض النظر عن أي اعتبارات خطابية أو تنظيمية.
هنا تتشكل المفارقة الأساسية. الدولة تتحدث عن العرض والطلب، عن أرقام القطيع، عن الرقابة البيطرية، وعن جاهزية السوق. لكن في المقابل، الفاعل الحقيقي في الميدان لا يشتغل بمنطق التوازن، بل بمنطق الضغط: ضغط الوقت، ضغط الطلب الاجتماعي، وضغط غياب البدائل الفعلية لدى الأسر التي تجد نفسها أمام خيار شبه وحيد.
وهذا ما يجعل كل الحديث عن “الاستقرار” يبدو أقرب إلى توصيف إداري منه إلى وصف للواقع. فالسوق لا تتحرك وفق مسار خطي أو متوازن، بل عبر موجات من الضغط السعري تتغذى على سلاسل الوساطة، وعلى إعادة تشكيل الأسعار داخل الميدان بعيدا عن أي منطق رسمي.
في هذا السياق، لا يظهر ارتفاع الأسعار كاستجابة لوفرة أو ندرة، بل كحصيلة مباشرة لبنية سوقية معقدة، حيث تتحول المعلومة نفسها إلى عنصر من عناصر التوجيه غير المباشر للسلوك التجاري، دون أن تكون لها بالضرورة أي قدرة على الضبط.
وهكذا، فإن ما يُقدَّم في الخطاب الرسمي كحالة “تتبع واستباق” لا ينعكس بالضرورة على الأسعار النهائية، التي تستمر في التشكل داخل شبكة غير مرئية من المصالح والوساطات، وتعيد إنتاج نفسها كل سنة بنفس الآليات تقريبًا، لكن بكلفة أعلى على القدرة الشرائية.
ما يحدث في سوق الأضاحي ومقارنة مع بلاغات الحكومة شببه بحكاية قديمة متداولة عن إعلان لإدارة الجمارك إقرار تخفيضات على الواجبات المفروضة على عمليات تعشير السيارات القادمة من الخارج، وتم بث الخبر في نشرة الأخبار الرسمية، ما دفع مواطنا للإسراع في اليوم الموالي إلى أقرب إدارة بمدينته للاستفادة من الإجراء وتعشير سيارته المرسيدس، لكنه قوبل برد غير متوقع من موظف الإدارة، إذ قال له ببرود: “سير دوّنها فالتلفزة”.. والظاهر أن الموظف لا علم له بما بتثه التلفزة ولم تصله بعدُ أي مذكرة من إدارته تخبره بإقرار أي تخفيض..
ردٌّ ساخر يلخص بدقة الفجوة بين الإعلان الإعلامي والتفعيل الإداري، ويكشف كيف يمكن أن يتحول الخبر الرسمي إلى مجرد إعلان إعلامي لا يعكس دائما الجاهزية الفعلية للتنفيذ على أرض الواقع.





