تحوّل تصريح محمد سعد برادة داخل البرلمان، في ظرف ساعات قليلة، إلى مادة دسمة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي. جملة مرتبكة، صياغة غير مفهومة، وتعليقات لا تنتهي حول “كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير”. لكن خلف هذا الضجيج الرقمي، يطفو سؤال أكثر عمقا: هل المشكلة فعلا في جملة قيلت بشكل سيئ، أم في الصورة الكاملة التي يحملها المغاربة عن طريقة تدبير قطاع التعليم؟
ما وقع لم يكن مجرد زلة لسان عابرة. كان لحظة كاشفة لحجم الفجوة بين وزارة يفترض أنها تقود إصلاح المدرسة المغربية، وبين خطاب سياسي مرتبك لا ينجح حتى في إيصال فكرة بسيطة بوضوح. في الدول التي تحترم قوة التواصل العمومي، لا يُنظر إلى اللغة باعتبارها تفصيلاً ثانوياً، لأن الوزير لا يدبر الملفات فقط، بل يدبر أيضاً الثقة. والثقة تبدأ من القدرة على الشرح والإقناع وتبسيط الرؤية.
لكن اختزال النقاش كله في السخرية من الوزير يبدو بدوره نوعا من التبسيط المفرط. فالرجل لم يأتِ أصلا من قلب المنظومة التعليمية، ولم يصنع مساره داخل الجامعة أو المؤسسات البيداغوجية، بل جاء من عالم الأعمال وصناعة الحلويات. وهذا المعطى بالذات هو ما يجعل كل تعثر تواصلي يتحول فورا إلى دليل، في نظر منتقديه، على وجود مسافة حقيقية بين الرجل والقطاع الذي يقوده.
المفارقة أن المغرب اعتاد خلال السنوات الأخيرة على منطق “المدير الناجح” الذي يُفترض أنه قادر على تدبير أي قطاع بمنطق النجاعة والأرقام والحكامة. لكن التعليم ليس شركة، والمدرسة ليست وحدة إنتاج. قطاع التربية يشتغل على الإنسان، على اللغة، على الهوية، وعلى تكوين المجتمع. لذلك فإن النجاح في عالم الأعمال لا يتحول تلقائيا إلى كفاءة في إدارة واحدة من أكثر الوزارات تعقيدا وحساسية داخل الدولة.
ومع ذلك، سيكون من السهل جدا السقوط في محاكمة شعبوية للرجل فقط لأنه أخطأ في التعبير. فالتاريخ السياسي مليء بمسؤولين امتلكوا خطابا بليغا وكاريزما عالية دون أن يتركوا أي أثر حقيقي، كما أن هناك مسؤولين محدودي الحضور الإعلامي حققوا نتائج ملموسة بعيدا عن الأضواء. لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس هل أخطأ الوزير في التواصل، بل ماذا تحقق فعليا داخل المدرسة العمومية منذ وصوله إلى الوزارة؟
المشكلة أن الرأي العام لا يرى إلى حدود اليوم حصيلة قوية بما يكفي لتغطية هذا الارتباك التواصلي. لذلك تصبح كل هفوة حدثاً وطنياً، لأن الثقة نفسها لم تُبن بعد. وحين تغيب النتائج المقنعة، تتحول اللغة إلى عبء إضافي على صاحبها، ويتحول أي تصريح مرتبك إلى عنوان سياسي كامل.
ما حدث داخل البرلمان لا يجب أن يُقرأ فقط كحلقة جديدة من “ترندات” السخرية المغربية، بل كإشارة واضحة إلى أزمة أعمق: أزمة تواصل سياسي، وأزمة ثقة في تدبير التعليم، وأزمة اختيار نخب يُطلب منها قيادة قطاعات شديدة الحساسية دون امتلاك أدوات الخطاب المقنع حولها. وبين الضحك على الجملة، والغضب من الوزير، يبقى السؤال الحقيقي معلقا: هل يشعر المغاربة فعلا أن المدرسة العمومية تسير نحو الأفضل؟






