رئيسيةوجهات نظر

الدولة ليست جمعية مهنية..

لم يعد الأمر يتعلق بزلة لسان أو تصريح معزول خرج في لحظة ارتباك.

حين يقول رئيس الحكومة عزيز أخنوش إن دخول “الكسابة” إلى الأسواق دفعة واحدة سيؤدي إلى انخفاض الأسعار، ثم يعود وزير الفلاحة أحمد البواري ليكرر الفكرة نفسها بشكل أكثر مباشرة قائلا إن الوزارة طلبت من المربين عدم إخراج القطيع دفعة واحدة “لكي لا ينخفض الثمن”، فنحن أمام تصور حكومي كامل لطريقة تدبير سوق الأضاحي واللحوم، لا أمام سوء تعبير فردي.

الخطير في الأمر ليس أن المسؤولين الحكوميين يفهمون قانون العرض والطلب. هذا أمر بديهي. الجميع يعرف أن ضخ آلاف الرؤوس دفعة واحدة في السوق يؤدي إلى تراجع الأسعار. المشكلة الحقيقية هي أن الحكومة اختارت أن تقول ذلك بصراحة سياسية صادمة في بلد يعيش واحدة من أعنف موجات تآكل القدرة الشرائية منذ سنوات.

ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن خطابا عن كيفية خفض الأسعار، ومحاربة المضاربة، وتقليص هوامش الوسطاء، خرج الخطاب الرسمي ليتحدث عن ضرورة حماية السوق من “انخفاض الثمن”.

وهنا بدأ الانفصال الكامل بين لغة السلطة ولغة المجتمع.

اقتصاديا، يمكن تفهم خوف الدولة من انهيار قطاع تربية الماشية. المغرب خرج من سنوات جفاف قاسية، والقطيع الوطني تراجع بشكل مقلق، وكلفة الأعلاف ارتفعت، وكثير من المربين الصغار تكبدوا خسائر ثقيلة. أي انهيار كبير للأسعار قد يدفع آلاف المربين إلى مغادرة النشاط نهائيا، ما يعني أزمة أكبر مستقبلا. هذا تفسير مفهوم.

لكن الدولة ليست جمعية مهنية للكسابة. الحكومة لا يفترض أن تتحدث كفاعل داخل السوق يدافع عن هامش الربح، بل كسلطة عمومية توازن بين المنتج والمستهلك. وحين يصبح الخوف من رخص الأسعار أكثر وضوحاً من الخوف من غلائها، فإن شيئاً عميقاً يختل في الخطاب السياسي.

المغاربة لم يسمعوا خلال السنوات الأخيرة خطاباً حكومياً بالقوة نفسها حول ضرورة خفض أسعار اللحوم. لم يسمعوا تحذيرات علنية للمضاربين. لم يسمعوا خطاباً حاداً حول الوسطاء الذين يضاعفون الأسعار بين الضيعة والسوق. لكنهم سمعوا بوضوح دعوات لتفادي انهيار الأثمان حفاظاً على مداخيل المربين.

وهنا بالضبط انفجر الغضب.
لأن المواطن يرى أنه دفع الثمن في كل المراحل:

دفع ثمن الجفاف عبر الغلاء،
ودفع ثمن الدعم العمومي،
ودفع ثمن الإعفاءات الجمركية،

ثم طُلب منه ضمنيا أن يتفهم ضرورة بقاء الأسعار مرتفعة حتى “يربح الفلاح شوية”.

المفارقة أن التصريحين كشفا حقيقة نادرا ما تُقال بهذا الوضوح: الدولة تتدخل عمليا في إيقاع السوق حين يتعلق الأمر بقطاع حساس اجتماعيا. وهذا ليس سراً اقتصادياً. كل الحكومات تفعل ذلك بشكل أو بآخر. لكن

الفرق أن الحكومات عادة تحاول تقديم تدخلها باعتباره سعياً إلى “الاستقرار” و”حماية التوازن الاجتماعي”، لا باعتباره سعياً إلى منع انخفاض الأسعار.

اللغة هنا ليست تفصيلا. اللغة سياسة كاملة.
حين يسمع المواطن مسؤولاً يقول:
لا تخرجوا القطيع دفعة واحدة لكي لا ينخفض الثمن،
فإنه لا يسمع تحليلا اقتصاديا، بل يسمع شيئاً أبسط وأكثر قسوة:

الحكومة تخشى رخص الأضاحي.
وهذا أخطر ما يمكن أن يصل إلى الرأي العام في سياق اجتماعي متوتر أصلاً.

الحكومة كان يمكنها أن تقول:
نريد حماية المربين الصغار من الانهيار،
نريد استقرار السوق،
نريد ضمان تموين منتظم،
ونريد في الوقت نفسه أسعارا معقولة للمستهلك.

لكن ما خرج فعليا كان خطابا منحازا في نظر كثيرين إلى طرف واحد من المعادلة.

لهذا لم يُستقبل الكلام باعتباره تفسيرا اقتصاديا، بل باعتباره اعترافا سياسيا: الدولة تعتبر انخفاض الأسعار مشكلة، حتى عندما يكون المواطن غارقا في الغلاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى