المسؤولية الاجتماعيةرئيسية

بنك CIH يصدر تقريره ESG 2025 ويكشف رهاناته في المناخ والتمويل المستدام والرقمنة

أصدر البنك العقاري والسياحي CIH BANK تقريره السنوي الخاص بمعايير البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحكامة ESG لسنة 2025، كاشفا عن توجه استراتيجي جديد يقوم على دمج قضايا الاستدامة والمناخ داخل النموذج البنكي للمؤسسة، في خطوة تعكس التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع المالي المغربي تحت ضغط التغيرات المناخية والمتطلبات التنظيمية الدولية وتطور انتظارات المستثمرين والزبناء.

ويقدم التقرير صورة مفصلة عن رؤية البنك للسنوات المقبلة، كما يسلط الضوء على رهانه على التمويل المستدام والرقمنة والشمول المالي والحكامة الحديثة باعتبارها محاور أساسية لبناء نموذج مصرفي جديد موجه للأجيال الصاعدة.

وأكد البنك، ضمن تقريره، أن سنة 2025 شكلت مرحلة مفصلية في مساره، بعدما أطلق استراتيجية جديدة للمسؤولية الاجتماعية والبيئية مرتبطة مباشرة بخطة “Impulse 2030”، وهي الخطة التي يسعى من خلالها إلى تعزيز موقعه داخل السوق البنكية المغربية وتطوير نموذج أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية. وأوضح التقرير أن هذه الاستراتيجية الجديدة لم تعد منفصلة عن النشاط المالي التقليدي للبنك، بل أصبحت جزءا من منظومة اتخاذ القرار والتخطيط الاستراتيجي وتقييم المخاطر، بما يعكس توجها واضحا نحو تحويل الاستدامة إلى عنصر أساسي في تدبير الأعمال والتمويل والاستثمار.

وفي هذا السياق، أعلن البنك عن إحداث لجنة خاصة بالاستدامة تابعة مباشرة لمجلس الإدارة، بهدف تتبع تنفيذ التوجهات المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية وضمان إدماج معايير ESG داخل السياسات الداخلية والقرارات الاستراتيجية للمؤسسة. ويرى متابعون أن هذه الخطوة تعكس انتقال البنك من مرحلة المقاربة التواصلية إلى مرحلة الإدماج المؤسساتي لقضايا المناخ والاستدامة، خاصة في ظل تزايد الضغوط الدولية على المؤسسات المالية من أجل قياس آثار أنشطتها البيئية والاجتماعية وربط التمويل بأهداف التنمية المستدامة.

ومن أبرز المعطيات التي كشف عنها التقرير إنجاز أول بصمة كربونية لمحفظة تمويلات البنك، إلى جانب إعداد خريطة للمخاطر المناخية المرتبطة بالقطاعات الاقتصادية التي يمولها. ويعني ذلك أن البنك بدأ فعليا في قياس التأثيرات المناخية المحتملة على استثماراته وتمويلاته، سواء تعلق الأمر بالمخاطر الفيزيائية الناتجة عن الجفاف والفيضانات وندرة المياه، أو بالمخاطر المرتبطة بانتقال الاقتصاد نحو نماذج إنتاج منخفضة الكربون. ويعتبر هذا التوجه من أبرز التحولات التي يشهدها القطاع البنكي عالميا، حيث أصبحت المؤسسات المالية مطالبة بتقييم مخاطر المناخ بنفس الأهمية التي تمنحها للمخاطر المالية التقليدية.

وكشف التقرير أن 46 في المائة من محفظة التمويلات الموجهة للشركات معرضة لمخاطر مناخية فيزيائية مرتفعة أو شديدة، بينما تواجه 28 في المائة من المحفظة مخاطر انتقال مرتبطة بالتحول الطاقي والتشريعات البيئية الجديدة. وتبرز هذه الأرقام حجم التحديات التي أصبحت تواجه الاقتصاد المغربي، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالماء والطاقة والعقار والفلاحة، والتي تتأثر بشكل مباشر بالتغيرات المناخية والضغوط المرتبطة بخفض الانبعاثات الكربونية. كما تعكس هذه المعطيات اتجاها متناميا لدى المؤسسات البنكية نحو إعادة تقييم تمويلاتها وفق معايير جديدة تأخذ بعين الاعتبار البعد البيئي والاستدامة طويلة الأمد.

وأكد البنك، ضمن التقرير ذاته، عزمه مواصلة إزالة الكربون التدريجية لمحفظة تمويلاته، في انسجام مع التزامات المغرب المناخية وأهداف المساهمات المحددة وطنيا “CDN 3.0”. ويعني هذا التوجه أن البنك سيمنح أهمية أكبر للمشاريع المرتبطة بالطاقات المتجددة والبنيات التحتية المستدامة والمبادرات ذات الأثر البيئي الإيجابي، مقابل تشديد شروط التمويل بالنسبة للأنشطة ذات الانبعاثات المرتفعة أو المرتبطة بمخاطر مناخية كبيرة. ويرى خبراء أن هذا التحول قد يساهم مستقبلا في إعادة تشكيل خريطة التمويل البنكي بالمغرب، مع بروز معايير جديدة تحدد قدرة الشركات على الولوج إلى القروض والاستثمارات.

وفي مجال التمويل الاجتماعي، أبرز التقرير استمرار تموقع البنك في قطاع السكن الاجتماعي ودعم الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل. وأوضح أنه ساهم في تمويل 7941 سكنا اجتماعيا ضمن برامج “فوكاريم” و“مدن بدون صفيح”، مع تعبئة 622 مليون درهم لفائدة هذه البرامج منذ سنة 2023. ويعكس هذا التوجه استمرار ارتباط البنك بالسياسات العمومية المتعلقة بمحاربة الهشاشة السكنية وتحسين الولوج إلى السكن، وهو المجال الذي شكل جزءا من هوية المؤسسة منذ تأسيسها كقرض عقاري وفندقي قبل عقود.

كما كشف التقرير عن تخصيص 3,374 مليار درهم للمساهمة في تمويل مشروع “طريق الماء”، الذي يعد من أبرز المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالأمن المائي بالمغرب. ويأتي هذا التمويل في سياق تزايد التحديات المرتبطة بندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف، ما يدفع المؤسسات المالية إلى الانخراط بشكل أكبر في تمويل البنيات التحتية المرتبطة بالتكيف المناخي وضمان الأمن المائي والغذائي للمملكة.

وعلى مستوى الشمول المالي، أوضح البنك أن حوالي ثلاثة أرباع زبنائه يستفيدون من مجانية الخدمات البنكية الرقمية، في وقت تمثل فيه الفئة العمرية التي تقل عن ثلاثين سنة نحو 45 في المائة من إجمالي الزبناء. ويؤكد هذا المعطى الرهان الكبير الذي يضعه البنك على الشباب والتحول الرقمي، خاصة مع التغيرات المتسارعة التي يعرفها سلوك المستهلكين واعتمادهم المتزايد على التطبيقات والخدمات البنكية الإلكترونية. كما يسعى البنك إلى تعزيز صورته كمؤسسة مالية قريبة من الأجيال الجديدة وأكثر قدرة على تقديم خدمات سريعة ومنخفضة التكلفة تعتمد على الحلول الرقمية والابتكار التكنولوجي.

وفي السياق ذاته، خصص التقرير حيزا مهما لقضايا الأمن السيبراني وحماية البيانات، باعتبارها من أبرز التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي للقطاع البنكي. وأكد البنك أنه تمكن من معالجة مائة في المائة من التنبيهات الأمنية داخل الآجال المحددة، إلى جانب تنظيم ثماني حملات للتحسيس بمخاطر الهجمات الإلكترونية والهندسة الاجتماعية. ويعكس هذا التوجه إدراك المؤسسات البنكية لتزايد المخاطر المرتبطة بالرقمنة، في ظل ارتفاع محاولات الاختراق والاحتيال الإلكتروني التي تستهدف المؤسسات المالية والزبناء على حد سواء.

وفي جانب الحكامة، كشف التقرير أن مجلس إدارة البنك يضم اثني عشر عضوا، بينهم 33 في المائة من الأعضاء المستقلين و33 في المائة من النساء. كما أوضح أن البنك عزز مجلسه خلال سنة 2025 بأعضاء ذوي خبرة في مجالات الاستدامة والمناخ، بهدف تقوية الإشراف على الاستراتيجية الجديدة المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية. ويرى متابعون أن هذا التوجه ينسجم مع المعايير الدولية الجديدة التي أصبحت تعطي أهمية أكبر للتنوع داخل مجالس الإدارة وللكفاءات المرتبطة بإدارة المخاطر المناخية والرقمية.

كما تطرق التقرير إلى جهود البنك في مجال المساواة المهنية وتعزيز حضور النساء داخل المؤسسة. وأشار إلى حصول البنك على شهادة EDGE MOVE الخاصة بالمساواة بين الجنسين، في وقت تمثل فيه النساء 49 في المائة من الموارد البشرية و46 في المائة من الزبناء. ويعكس هذا التوجه سعي المؤسسة إلى تعزيز التنوع والإنصاف داخل بيئة العمل، تماشيا مع التحولات التي يعرفها القطاع المالي العالمي والمعايير الجديدة المتعلقة بالحكامة الاجتماعية.

ومن الجوانب اللافتة أيضا اعتماد البنك لأول مرة منهجية “التحليل المزدوج للمادية” وفق المعايير الأوروبية ESRS، وهي منهجية تقوم على تقييم تأثير المؤسسة على المجتمع والبيئة، وفي الوقت نفسه تقييم تأثير القضايا البيئية والاجتماعية على الأداء المالي للمؤسسة نفسها. وقد مكنت هذه المنهجية البنك من تحديد أربع عشرة قضية استراتيجية اعتبرها الأكثر تأثيرا على نشاطه ومستقبله، من بينها التغير المناخي والأمن السيبراني والتمويل المستدام والشمول المالي وتجربة الزبناء وجودة الحياة في العمل.

ويعكس اعتماد هذه المقاربة اقتراب المؤسسات البنكية المغربية تدريجيا من المعايير الأوروبية الجديدة المتعلقة بالتقارير غير المالية والاستدامة، خاصة في ظل تنامي اهتمام المستثمرين الدوليين بالمؤشرات البيئية والاجتماعية والحكامة عند تقييم أداء الشركات والمؤسسات المالية. كما يشير إلى أن البنوك المغربية أصبحت مطالبة بتطوير أدوات جديدة لقياس المخاطر والفرص المرتبطة بالمناخ والتحولات الاجتماعية والرقمية.

ويعتبر مراقبون أن تقرير ESG لسنة 2025 يعكس محاولة واضحة من CIH BANK لإعادة تموقعه كبنك رقمي وشبابي ومستدام، قادر على الجمع بين الابتكار المالي والتمويل المسؤول والاستجابة للتحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي. غير أن التحدي الحقيقي، بحسب متابعين، لن يكون فقط في إصدار التقارير وإعلان الالتزامات، بل في قدرة البنك على ترجمة هذه التوجهات إلى سياسات تمويل ملموسة ونتائج قابلة للقياس على مستوى الاقتصاد والمجتمع والبيئة.

كما يرتبط نجاح هذا التحول بقدرة الاقتصاد المغربي نفسه على مواكبة الانتقال البيئي والرقمي، وبقدرة المقاولات والمؤسسات العمومية والخاصة على تطوير مشاريع تستجيب للمعايير الجديدة المتعلقة بالاستدامة والحوكمة. وفي ظل تزايد أهمية التمويل الأخضر والتحولات المناخية، يبدو أن القطاع البنكي المغربي يدخل مرحلة جديدة تصبح فيها الاستدامة عنصرا أساسيا في المنافسة والتمويل واتخاذ القرار، وليس مجرد ملف جانبي مرتبط بالتواصل المؤسساتي أو المسؤولية الاجتماعية التقليدية.

ويبرز التقرير كذلك أن البنك يسعى إلى تعزيز حضوره داخل منظومة دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، عبر تطوير عروض تمويلية وخدمات رقمية موجهة لرواد الأعمال وحاملي المشاريع الناشئة. وأوضح أن قيمة التمويلات الموجهة للمقاولات الصغيرة بلغت أكثر من 41 مليون درهم، في إطار توجه يرمي إلى دعم خلق فرص الشغل وتحفيز الابتكار ومواكبة التحولات الاقتصادية التي يعرفها المغرب. ويرى متابعون أن هذا المحور يشكل جزءا أساسيا من استراتيجية البنك الرامية إلى توسيع قاعدة زبنائه وربط صورته بالمقاولة الشابة والاقتصاد الرقمي.

كما أشار التقرير إلى أن المؤسسة تواصل الاستثمار في التكوين والموارد البشرية، من خلال برامج تطوير المهارات وتعزيز ثقافة الابتكار والرفع من جودة الحياة داخل فضاءات العمل. وأكد أن نسبة مهمة من التوظيفات الجديدة تخص خريجين شبابا، في محاولة لضخ كفاءات رقمية وتقنية قادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها القطاع البنكي. ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه البنوك إلى إعادة هيكلة وظائفها التقليدية والتركيز بشكل أكبر على الخدمات الرقمية وتحليل البيانات والأمن المعلوماتي.

ويؤكد التقرير، في مجمله، أن CIH BANK يسعى إلى تقديم نفسه كمؤسسة مالية تستبق التحولات المقبلة بدل الاكتفاء بالتكيف معها، عبر بناء نموذج مصرفي يجمع بين الرقمنة والاستدامة والابتكار المالي. كما يعكس إدراك البنك لتغير انتظارات المستثمرين والزبناء والهيئات التنظيمية، التي أصبحت تضع المعايير البيئية والاجتماعية في صلب تقييم أداء المؤسسات المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى