رئيسيةوجهات نظر

من سيؤدي فاتورة أخطاء الأبناك؟

النقاش الذي أثاره نواب حزب العدالة والتنمية أمس تحت قبة البرلمان حول إمكانية اللجوء إلى المال العام لإنقاذ مؤسسات بنكية متعثرة، لم يكن مجرد جدل تقني مرتبط بالقوانين المالية، بل أعاد طرح واحد من أكثر الأسئلة حساسية داخل أي مجتمع: هل يمكن أن يتحمل دافعو الضرائب كلفة أخطاء مؤسسات مالية خاصة راكمت الأرباح لسنوات طويلة؟

الجدل تفجر عقب مناقشة مشروع القانون رقم 87.21 المتعلق بمؤسسات الائتمان، والذي يفتح الباب أمام ما يسمى “الدعم المالي العمومي الاستثنائي” في حالات الأزمات البنكية الكبرى. وبمجرد تداول هذا المعطى، انقسم الرأي العام بين من يرى في الأمر ضرورة لحماية الاستقرار المالي، ومن يعتبره تكريسا لمنطق إنقاذ الأقوياء بأموال المواطنين.

من الناحية التقنية، تدافع الحكومة وبنك المغرب عن هذا التوجه باعتباره آلية احترازية معمول بها في عدد من الدول، هدفها تفادي انهيار بنك قد يؤدي سقوطه إلى أزمة مالية أوسع تمس ودائع المواطنين وثقة المستثمرين والاقتصاد ككل. فالأبناك، وفق هذا المنطق، ليست مؤسسات معزولة، بل جزء من منظومة مترابطة قد يؤدي انهيار أحد مكوناتها الكبرى إلى ارتدادات خطيرة.

لكن بعيدا عن اللغة التقنية، فإن ما يثير غضب جزء واسع من المواطنين هو البعد الأخلاقي والاجتماعي للقضية. فالأبناك ليست مؤسسات خيرية، بل تحقق سنويا أرباحا بمليارات الدراهم من الفوائد والعمولات والقروض. وعندما تكون النتائج إيجابية، توزع الأرباح على المساهمين، لكن عندما تظهر الخسائر أو اختلالات التدبير، يُطلب من الدولة التدخل باسم “المصلحة العامة”.

هنا تحديدا يبدأ الشعور باللاعدالة. فالمواطن البسيط الذي يواجه صعوبة في الولوج إلى الدعم الاجتماعي، أو الذي يفقد استفادته بسبب تغيير طفيف في وضعيته، يجد نفسه أمام احتمال استعمال المال العام لإنقاذ مؤسسة مالية خاصة. لذلك لم يكن مستغربا أن يتحول النقاش بسرعة من قضية مالية إلى نقاش اجتماعي وسياسي حول أولويات الدولة وكيفية توزيع الأعباء.

المنتقدون لهذا التوجه لا يرفضون حماية الاستقرار المالي، لكنهم يتساءلون: لماذا لا تتحمل الأبناك ومساهموها ومديروها المسؤولية الكاملة عن المخاطر التي يجنون منها الأرباح؟ ولماذا يصبح المال العام متاحا عندما يتعلق الأمر بإنقاذ مؤسسة مالية، بينما يظل التقشف هو الجواب الجاهز عندما يتعلق الأمر بالصحة أو التعليم أو القدرة الشرائية؟

في المقابل، فإن تجاهل مخاطر انهيار مؤسسة بنكية كبرى قد يكون مكلفا أيضا، لأن التجارب الدولية أثبتت أن سقوط الأبناك لا يضرب المستثمرين فقط، بل قد يمتد أثره إلى المدخرات والوظائف والاقتصاد الوطني بأكمله. لذلك فالمعضلة الحقيقية لا تكمن فقط في مبدأ التدخل، بل في شروطه وحدوده وضمانات المحاسبة المرتبطة به.

أي تدخل عمومي، إن حدث، لا يمكن أن يتحول إلى صك مفتوح لإنقاذ سوء التدبير. فقبل اللجوء إلى أموال دافعي الضرائب، يفترض أن يتحمل المساهمون والإدارة المسؤولية، وأن تخضع المؤسسات المعنية للمحاسبة الصارمة والشفافية الكاملة. لأن أخطر ما قد يخرج به المواطن من هذا النقاش ليس فقط الخوف على المال العام، بل الشعور بأن الدولة تتدخل بسرعة لحماية المؤسسات الكبرى، بينما يُطلب دائما من الفئات الهشة مزيد من الصبر والتضحيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى