في المغرب، يبدو أن هناك سوقين مختلفين تماما للأضاحي. سوق حقيقي يدخله المواطن المغربي بجيب مرتبك وقائمة طويلة من الحسابات المؤجلة، وسوق آخر افتراضي تنتعش فيه بعض التصريحات الرسمية، حيث يمكن أن تجد خروفا بـ1000 درهم، وربما مع تخفيض إضافي إذا أسرعت قبل نفاد الكمية.
المغاربة الذين نزلوا إلى الأسواق خلال الأيام الماضية يعرفون جيدا أن الواقع مختلف تماما. فالأثمان الحقيقية تبدأ من حوالي 4000 درهم لخروف بالكاد يستوفي شروط الأضحية من حيث السن والحجم والسلامة، أما الأكباش المتوسطة وما يليها والتي يمكن أن توصف فعلا بـ”أضحية العيد”، فقد أصبحت بالنسبة لكثير من الأسر مشروعا ماليا قائما بذاته.
ورغم ذلك، خرج أحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والغابات، اليوم تحت قبة البرلمان ليؤكد أن “الحولي كيدير غير 1000 درهم”، وأن الأسعار التي تصل إلى 5000 درهم لا توجد إلا على فيسبوك. تصريح جعل كثيرين يتساءلون إن كانوا قد أخطأوا الأسواق، أو ربما لم يحصلوا بعد على عنوان “سوق البلاك فرايداي” الذي تتوفر فيه هذه الأضاحي الاستثنائية.
صراحة، حتى تخفيضات الماركات العالمية لا تصل إلى هذا المستوى من السخاء. لأن المواطن الذي قضى ساعات في الأسواق بين الغبار والزحام وضجيج الشناقة، لم يعثر على ذلك الخروف “الهوتة”. وربما كان هناك موظف في وزارة الفلاحة صادف خروفا حديث الولادة، لا يزال ملتصقا بوالدته، فتم اعتماده مرجعا رسميا للأسعار الوطنية.
لكن خلف السخرية، يبرز سؤال أكثر جدية: هل يستمع الوزير فعلا لنبض الشارع ولما يعيشه المواطن داخل الأسواق، أم أن التقارير التي ترفع إليه تحتاج بدورها إلى تدقيق وربما إلى المحاسبة؟
لأن أي تصريح لمسؤول حكومي يفترض أن يكون مبنيا على معطيات دقيقة تنجزها فرق ميدانية تتابع الواقع كما هو، لا كما يحدث في التقارير الإدارية الروتينية. وعندما يسمع المواطن أن الأضحية بـ1000 درهم بينما هو عاجز عن إيجاد خروف بأقل من 4000 درهم ويزيد، فإنه لا يشعر بالطمأنينة، بل يشعر أن هناك من يحدثه عن مغرب آخر لا يشبه الأسواق التي يعرفها.
المغاربة اليوم لا يناقشون الكماليات. لا أحد يبحث عن خروف أقرن وأملح بمواصفات خيالية. الناس فقط تريد أضحية تستوفي الحد الأدنى من الشروط الشرعية والصحية دون الحاجة إلى قرض استهلاكي أو التضحية بمصاريف شهر كامل.
لهذا، فالمشكلة ليست في محاولة طمأنة الرأي العام، بل في طريقة الطمأنة نفسها. لأن أخطر ما يمكن أن يقع بين المسؤول والمواطن هو أن تتحول التصريحات الرسمية إلى مادة للسخرية بدل أن تكون مصدر ثقة.
وفي النهاية، قد يكون “خروف البلاك فرايداي” موجودا فعلا… لكن على ما يبدو، الكمية محدودة جدا، واختفت قبل أن يعثر عليها المغاربة البسطاء.







