رئيسيةفيديووجهات نظر

ماكرون ليس نبيا!

كلما خرج مسؤول أجنبي بكلمات دافئة عن المغرب، يتحول جزء من النقاش العمومي فجأة إلى مهرجان انتصار جماعي. وهذا بالضبط ما حدث بعد تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول التعليم المغربي، حين تعامل البعض مع كلامه وكأنه شهادة دولية نهائية تؤكد أن المدرسة المغربية أصبحت نموذجا عالميا، وأن الحكومة نجحت أخيرا في تحويل التعليم إلى قصة نجاح مكتملة الأركان.

المشكلة ليست في تصريح ماكرون نفسه. الرجل سياسي محترف يعرف جيدا كيف تُصاغ الكلمات داخل المنابر الدولية، وكيف تُستخدم المجاملة الدبلوماسية لصناعة التقارب وكسب الود وتثبيت التحالفات. المشكلة الحقيقية في الطريقة التي استقبل بها البعض هذا الكلام، وكأن رئيس فرنسا أصبح فجأة هيئة دولية لتقييم جودة التعليم.

ماكرون لم يكن يعرض نتائج اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلبة Programme for International Student Assessment، ولم يكن يقدم تقريرا صادرا عن اليونسكو أو البنك الدولي. الرجل كان يتحدث بلغة السياسة، لا بلغة المؤشرات. وكان واضحا أنه يشير إلى حالات محددة من الطلبة المغاربة الذين نجحوا في ولوج مدارس فرنسية نخبوية مثل École Polytechnique، لا إلى واقع المدرسة العمومية المغربية بكل تناقضاتها واختلالاتها.

لكن في المغرب، يكفي أحيانا أن يربت مسؤول غربي على الكتف حتى يبدأ البعض في توزيع شهادات التفوق على أنفسهم.

الحقيقة التي يحاول كثيرون القفز فوقها هي أن وجود طلبة مغاربة متفوقين داخل أرقى المدارس الفرنسية لا يعني أن المنظومة التعليمية بخير. لأن أي بلد، حتى أكثر الأنظمة هشاشة، قادر على إنتاج نخبة صغيرة ناجحة. معيار قوة التعليم ليس عدد المتفوقين الذين يصلون إلى البوليتكنيك، بل مستوى التلميذ العادي داخل المدرسة العمومية، وقدرته على القراءة والفهم والتفكير بلغته وباللغات الأجنبية والاندماج لاحقا في سوق الشغل.

وهنا تبدأ الصورة الحقيقية في الظهور.

تقارير دولية متتالية وضعت المغرب في مراتب متأخرة في التعلمات الأساسية. الحديث عن “فقر التعلم” لم يأت من معارضين سياسيين، بل من مؤسسات دولية. أزمات الاكتظاظ، ضعف اللغات، الهدر المدرسي، الفوارق الصارخة بين المدن والقرى، والهجرة الجماعية نحو التعليم الخاص… كلها ليست اختراعا من خصوم الحكومة، بل واقع يومي تعيشه الأسر المغربية.

ومع ذلك، خرج البعض يتعامل مع تصريح ماكرون وكأنه إعلان رسمي بأن المغرب أصبح “فنلندا إفريقيا”.

الأسوأ من ذلك أن هذا النوع من الاحتفاء يكشف أزمة أعمق: ما زلنا نبحث عن الاعتراف الخارجي لنقتنع بنجاحنا، حتى لو كان هذا الاعتراف صادرا في سياق سياسي ودبلوماسي واضح. وكأن تقييم التعليم لا تصنعه نتائج التلاميذ داخل الأقسام، بل كلمات رئيس أجنبي يعرف جيدا كيف يدغدغ المشاعر حين تقتضي المصلحة ذلك.

وفرنسا تحديدا ليست جمعية خيرية توزع شهادات التميز مجانا. باريس اليوم تبحث عن إعادة بناء نفوذها داخل إفريقيا بعد سنوات من التراجع، والمغرب يمثل بالنسبة إليها شريكا استراتيجيا ومنصة للاستثمار والتكوين وربط الكفاءات بالقارة. في هذا السياق، يصبح الثناء السياسي جزءا من هندسة العلاقة، لا تقريرا علميا محايدا حول جودة التعليم.

ثم إن المفارقة الصارخة أن كثيرين ممن احتفوا بكلام ماكرون هم أنفسهم الذين يشتكون يوميا من المدرسة العمومية، ويهرعون نحو التعليم الخاص، ويعتبرون النجاح في الباكالوريا وحده غير كاف لضمان تكوين حقيقي. كيف تحولت المنظومة نفسها، في ليلة واحدة، من قطاع مأزوم إلى “نموذج إفريقي” فقط لأن رئيس دولة أجنبية قال ذلك؟

كثيرون من هؤلاء كانوا بالأمس فقط، يتبادلون بسخرية عارمة مقاطع الفيديو التي بدا فيها محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، “آوت” وهو يتلعثم ليشرح لنواب البرلمان بعضا مما أنتجته وزارته التي قدم إليها من مصنع “مصاصات”.

المغرب حقق بالفعل تقدما في بعض المسارات، خصوصا في تكوين النخب العلمية والهندسية، ونجح في بناء مؤسسات قوية تستقطب طلبة متميزين. لكن هذا النجاح الجزئي لا يجب أن يتحول إلى عملية تجميل جماعية لواقع أكثر تعقيدا. لأن التعليم لا يقاس بأفضل تلامذته فقط، بل أيضا بأضعفهم. ولا يقاس بعدد الذين يصلون إلى المدارس الفرنسية الكبرى، بل أيضا بعدد الذين يغادرون المدرسة دون الحد الأدنى من التعلم.

لهذا، ربما كان الأجدر استقبال تصريح ماكرون بهدوء، لا بتحويله إلى حملة تصفيق جماعية للحكومة. فالإصلاح الحقيقي للتعليم لا يحتاج خطابات احتفالية بقدر ما يحتاج شجاعة مواجهة الحقيقة: لدينا بعض النماذج الناجحة، نعم، لكن لدينا أيضا منظومة ما تزال بعيدة جدا عن أن توصف بالرائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى