
شهدت أسعار الذهب العالمية، اليوم الاثنين، ارتفاعاً ملحوظاً لتصل إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة أسابيع، مدفوعة بزيادة كبيرة في الإقبال على الملاذات الآمنة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والمخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي. وقد ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى 3371.34 دولاراً للأوقية، في حين صعدت العقود الأمريكية الآجلة بنسبة 0.7 في المائة إلى 3386.20 دولاراً للأوقية، مسجلاً بذلك أعلى مستوياته منذ الثالث والعشرين من يونيو المنصرم.
وشهدت المعادن النفيسة الأخرى تحركات متفاوتة؛ حيث ارتفعت الفضة بنسبة 0.4 في المائة لتصل إلى 38.49 دولاراً للأوقية، بينما انخفض البلاتين بنسبة 1.1 في المائة إلى 1384 دولاراً، وتراجع البلاديوم بنسبة 1.7 في المائة ليُسجل 1194.40 دولاراً. هذه الزيادة في أسعار الذهب جاءت نتيجة لتصاعد الطلب عليه كملاذ آمن، في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات اقتصادية وأمنية متنامية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المستمرة في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، إلى جانب تراجع الثقة في الأسواق المالية وارتفاع احتمالات خفض أسعار الفائدة من طرف البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
هذا الارتفاع العالمي انعكس مباشرة على السوق المغربية، حيث سجلت أسعار الذهب في المملكة زيادات ملموسة خلال الأيام الماضية. فقد بلغ سعر الغرام الواحد من الذهب عيار 24 قيراطاً حوالي 975.53 درهماً، فيما وصل سعر الغرام من عيار 22 إلى نحو 894.24 درهماً، أما سعر الأوقية فقد تراوح بين 30,210 و30,300 درهماً مغربياً، بحسب البيانات الصادرة في 14 يوليو 2025. وتشير هذه الأسعار إلى استمرار المنحى التصاعدي الذي بدأ منذ نهاية يونيو، حيث كان الغرام الواحد من عيار 24 يُتداول بين 953 و964 درهماً، قبل أن يتجاوز حاجز الألف درهم منتصف الشهر ذاته، مدفوعاً بزيادة في الطلب المحلي وتقلص المعروض في الأسواق.
وتُظهر معطيات السوق المغربية أن ارتفاع أسعار الذهب لا يرتبط فقط بالتقلبات العالمية، بل يتأثر كذلك بعوامل داخلية عديدة، أبرزها ضعف تنظيم السوق، والاعتماد الكبير على الذهب المستورد أو المعاد تدويره، إضافة إلى تأثير سعر صرف الدرهم مقابل الدولار. فبالرغم من تحسن قيمة الدرهم خلال النصف الأول من سنة 2025، حيث انخفض سعر الدولار من 10.06 إلى حوالي 9.00 دراهم، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس بشكل كافٍ على الأسعار النهائية للذهب بسبب اعتماد السوق على قنوات غير رسمية في الاستيراد، ووجود فروقات كبيرة في الأسعار بين المناطق والمدن.
ويُعاني السوق المغربي من غياب شبه تام للتنظيم على مستوى تسعير الذهب وتوزيعه، حيث تتفاوت الأسعار بشكل كبير بين التجار، وتعتمد بشكل أساسي على العرض والطلب المحليين، وليس فقط على الأسعار العالمية. ويُعدّ تهريب الذهب إلى داخل البلاد عاملاً رئيسياً في تأزيم الوضع، حيث يدخل جزء مهم من المعدن الأصفر عبر منافذ غير رسمية، مما يخلق اختلالاً في السوق ويجعل الأسعار غير مستقرة وغير موحدة. من جانب آخر، تفضل شركات التعدين المغربية، مثل تلك العاملة في مناجم تيغزة وبومادين، تصدير إنتاجها الخام إلى الخارج بسبب الامتيازات الضريبية، إذ تخضع الصادرات لضريبة تصل إلى 17.6 في المائة فقط، مقابل ما يصل إلى 30 في المائة على المبيعات المحلية، ما يُقلل من الكميات المعروضة في السوق الداخلية ويزيد من الضغوط على الأسعار.
وفي ظل هذا الواقع، يعتمد جزء كبير من السوق المغربي على إعادة تدوير المجوهرات القديمة، والتي تُغطي ما بين 15 إلى 20 في المائة فقط من الطلب، في حين يتم استيراد الجزء الأكبر بأسعار تتأثر مباشرة بالتقلبات الدولية وأسعار الصرف. ولا تقتصر عوامل التأثير على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تلعب الثقافة والمواسم الاجتماعية دوراً كبيراً في ارتفاع الطلب على الذهب، خاصة خلال فصل الصيف، الذي يتزامن مع موسم الأعراس في المغرب، إلى جانب الأعياد الدينية التي تعرف فيها الأسواق إقبالاً واسعاً على شراء الحلي والمجوهرات، مما يرفع الأسعار بشكل موسمي ويدفع المستهلك إلى دفع مبالغ أكبر، حتى في ظل استقرار الأسعار العالمية.
وتكشف مقارنة بين السوق العالمية والمغربية اختلافات واضحة على مستوى التنظيم والشفافية والتأثر بالمتغيرات الاقتصادية. ففي حين تخضع الأسواق العالمية لرقابة صارمة وتُحدد الأسعار فيها بناءً على آليات العرض والطلب في البورصات، فإن السوق المغربية تعاني من العشوائية والارتجال في تحديد الأسعار، مع غياب شبه كلي للآليات الرسمية التي تضبط السوق وتمنع التلاعب. فعلى سبيل المثال، يُباع الذهب في المغرب بأسعار قد تفوق أحياناً نظيرتها العالمية بسبب التكاليف الإضافية المرتبطة بالنقل والضرائب والهوامش التجارية التي يفرضها التجار، والتي قد تصل إلى 30 في المائة في بعض الأحيان.
أما بالنسبة للمستهلكين، فإن ارتفاع الأسعار يضعهم أمام تحدٍ حقيقي، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتقلبة، حيث يُضطر البعض إلى شراء الذهب رغم ارتفاع الأسعار بسبب التزامات اجتماعية أو تقليدية. ويُنصح المستهلكون، في مثل هذه الظروف، بمراقبة الأسعار بشكل يومي، وشراء الذهب من مصادر موثوقة بعد مقارنة الأسعار بين المحلات المختلفة، مع التأكد من عيار الذهب ووزنه الحقيقي لتفادي الاستغلال. كما يُنصح بالتركيز على الذهب عيار 22 أو 24 قيراطاً، لسهولة بيعه في المستقبل، وتقليل خسائر الصياغة والتشطيب.
أما بالنسبة للمستثمرين، فإن الذهب يبقى خياراً استثمارياً آمناً على المدى الطويل، خاصة في فترات التذبذب الاقتصادي، لكنه يتطلب دراسة دقيقة للسوق وتوزيع الاستثمار على مراحل لتفادي الخسائر الناجمة عن التقلبات المفاجئة في الأسعار. ويفضل في هذا السياق الاستثمار في السبائك والعملات الذهبية، بدل المجوهرات، لتقليص التكاليف المترتبة عن التصنيع.
ورغم أن المستقبل لا يمكن التنبؤ به بدقة، إلا أن التوقعات تشير إلى استمرار الذهب في الارتفاع خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا قرر البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفض أسعار الفائدة أو إذا استمرت التوترات العالمية، ما سيزيد من الإقبال على الذهب كملاذ آمن. أما محلياً، فإن إصلاح السوق وتنظيم عمليات التوزيع والاستيراد، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي وتشجيع بيع الذهب داخل البلاد، من شأنه أن يخفف الضغط على الأسعار ويحمي المستهلك من التقلبات غير المنطقية.
وبين عالم يعيش على وقع الأزمات، وسوق محلية تبحث عن التوازن، يبقى الذهب في المغرب أكثر من مجرد معدن ثمين؛ إنه مؤشر حقيقي على الاقتصاد الشعبي، ومرآة تعكس مدى استقرار السوق وفعالية السياسات الاقتصادية الوطنية.






