
أعلنت الحكومة الإسبانية عن انطلاقة مرحلة علمية متقدمة من الدراسات التمهيدية لفحص قاع مضيق جبل طارق تمهيداً للتقدم نحو تنفيذ أحد أضخم المشاريع الهندسية العابرة للقارات، وهو مشروع نفق يربط بين أوروبا وإفريقيا تحت البحر. وقد تم تكليف المجلس الأعلى للبحث العلمي الإسباني (CSIC) بإجراء دراسة جيولوجية وبحرية شاملة تركز على منطقة تُعرف باسم «عتبة كامارينال»، التي تُعد نقطة محورية في مسار النفق المقترح لما تشتمل عليه من تعقيدات صخرية وبنيوية تتطلب فهماً دقيقاً قبل البدء في أعمال الحفر.
هذا المسح، الذي أُقر رسميًا في الجريدة الرسمية الإسبانية، يمول بمبلغ يتجاوز 553 ألف يورو موزعة على عامي 2025 و2026، ويشمل حملة ميدانية بحرية لمدة حوالي أسبوعين في النصف الأول من 2026 يشارك فيه ثلاثة معاهد علمية متخصصة هي المعهد الجيولوجي والمعدني الإسباني، والمعهد الإسباني لعلوم المحيطات، ومعهد علوم البحار، بالتعاون مع المعهد الهيدروغرافي للبحرية الإسبانية والمسح الجيولوجي الأمريكي، ويُتوقع أن تُجمع بيانات عالية الدقة عن طبيعة التربة البحرية والتكوينات الصخرية باستخدام مجسات وأجهزة استشعار متطورة لتحويلها إلى نموذج جيولوجي ثلاثي الأبعاد ملائم لتصميم مسار النفق وآليات عمل آلات الحفر العملاقة.
وتتزامن هذه الخطوة مع اهتمام متزايد بهذا المشروع الضخم الذي ظل لفترة طويلة حبيس الدراسات والمقترحات بين مدريد والرباط في سبيل ربط الضفتين الجنوبية والشمالية لمضيق جبل طارق، وقد أكد خبراء تقنيون مستقلون أن التكنولوجيا الحالية في الحفر العميق تتيح إمكان تنفيذ نفق يغطي مسافة تمتد إلى نحو 38–42 كيلومترا تحت البحر، مع قسم بحري بطول يقارب 27–28 كيلومترا وبعمق يصل إلى حوالي 450–500 متراً تحت سطح الماء، ما يجعل هذا المسار أكثر تعقيداً من نفق بحر المانش نظراً للتكوينات الصخرية المعقدة والظروف الجيولوجية الخاصة بالمنطقة.
ويُنظر إلى منطقة عتبة كامارينال باعتبارها أحد أكثر النقاط تحدياً في مضيق جبل طارق بسبب التكوينات الصخرية المعقدة التي تتطلب فهما علمياً دقيقاً قبل الانطلاق في الحفر، وقد أظهرت دراسات سابقة أن التحديات الجيولوجية والزلزالية في قاع المضيق تمثل أحد أبرز العقبات التي يواجهها المشروع، والتي تتطلب تجهيزات وهندسة متطورة للتعامل مع أعماق قد تتجاوز مئات الأمتار تحت مستوى البحر.
وتحتفظ الشركة الإسبانية لدراسات الاتصالات الثابتة عبر مضيق جبل طارق (SECEGSA) بحقوق نتائج هذه الدراسات، التي ستُستخدم كمرجع أساسي لاتخاذ قرارات تقنية ومالية في المراحل اللاحقة للمشروع، وقد سبق أن خلصت دراسات جدوى تقنية منفصلة أجرتها شركة ألمانية متخصصة إلى أن تنفيذ نفق حديدي تحت البحر ممكن من الناحية التقنية، مع تقديرات أولية لكلفة إجمالية تقدر بنحو 8.5 مليار يورو وأفق زمني مبدئي يضع التشغيل المحتمل بين عامي 2035 و2040، في حين يُنتظر إجراء المزيد من الدراسات التفصيلية قبل الانتقال إلى مرحلة الحفر الإنشائي






