
في قلب أسواق الذهب المغربية، حيث تتقاطع عادات الشراء التقليدية مع منطق الاستثمار الحديث، يدخل الأسبوع الأخير من يناير 2026، وسط موجة من التقلبات الحادة التي تجعل كل يوم اختباراً حقيقياً لاتجاه السوق. فقد سجّل الذهب ارتفاعاً مفاجئاً يوم 26 يناير، حين قفز سعر غرام الذهب عيار 18 إلى مستويات تجاوزت 1100 درهم في بعض القيساريات الكبرى، مثل الحفاري بالدار البيضاء وقيسارية باب الفتوح بفاس، مدفوعاً بصعود الأونصة عالمياً نحو نطاق 4980 إلى 5000 دولار، في ظل زخم إيجابي غذّته حالة عدم اليقين الجيوسياسي واستمرار الضغوط التضخمية العالمية.
الطلب المحلي وسعر الصرف يدفعان الأسعار للأعلى
هذا الارتفاع لم يكن معزولاً عن السياق العام، بل عكس تأثيراً مباشراً لتحركات سعر صرف الدرهم مقابل الدولار، الذي يعرف ضغوطاً طفيفة، إلى جانب طلب محلي قوي في مدن مثل مراكش وطنجة، حيث بلغ سعر اللويزة من عيار 20 مستويات قياسية تجاوزت 10 آلاف درهم. في هذا المناخ، لم يعد الذهب مجرد حلي للزينة، بل تحول إلى أداة ادخار وملاذ آمن في مواجهة تقلبات الاقتصاد المغربي، خاصة مع تسجيل معدل تضخم محلي يقارب 2.5 في المائة مع بداية السنة.
تصحيح محتمل يعيد ترتيب السوق
رغم هذا المسار الصاعد، تلوح في الأفق إمكانية حدوث تصحيح هبوطي قد يعيد رسم ملامح السوق خلال هذا الأسبوع. فالتوقعات العالمية لحركة الذهب مقابل الدولار تشير إلى احتمال تراجع نحو مستويات دعم تتراوح بين 4675 و4900 دولار للأونصة، قبل استئناف الصعود نحو نطاق يتراوح بين 5300 و5545 دولاراً. محلياً، قد يترجم هذا السيناريو إلى انخفاض محتمل في سعر غرام الذهب عيار 24 من حوالي 1488 درهماً حالياً إلى ما بين 1450 و1460 درهماً، خاصة إذا أظهرت بيانات التضخم الأمريكية لشهر دجنبر استقراراً يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون زيادات إضافية.
عوامل داخلية تضغط على الأسعار
في السوق المغربية، قد يتعزز هذا التصحيح بعوامل محلية، من بينها تراجع الطلب الموسمي بعد فترة الأعياد، وارتفاع العرض الناتج عن واردات الذهب القادمة من تركيا وإيطاليا، إضافة إلى استقرار نسبي في سعر الدرهم يقلص كلفة الاستيراد. وقد برز أثر هذه العوامل بالفعل يوم 25 يناير، حين سجلت الأسعار انخفاضاً ملحوظاً شجع مشترين في مناطق مثل سوس والرباط على العودة إلى السوق.
بين الجيوسياسة وقرارات الفيدرالي
تتداخل هذه المعطيات مع عوامل عالمية أخرى ترسم مسار الذهب خلال الأيام المقبلة. فالتوترات الجيوسياسية، سواء المرتبطة بالشرق الأوسط أو بالعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، تدعم الاتجاه الصعودي على المدى المتوسط، في حين قد تؤدي قرارات الاحتياطي الفيدرالي المرتقبة يوم 29 يناير، في حال تثبيت سعر الفائدة بين 4.25 و4.5 في المائة، إلى تقليص جاذبية الذهب كملاذ آمن وفتح المجال أمام تصحيح هبوطي يتراوح بين 2 و4 في المائة، وهو سيناريو يتكرر تاريخياً في نهاية الأشهر مع تحوّل جزء من الاستثمارات نحو الأسهم وتحسن مؤشرات مثل S&P 500.
دور بنك المغرب وتقلبات السوق المحلية
محلياً، يواصل بنك المغرب مراقبة تطورات التضخم عبر مؤشراته اليومية، معتمداً سياسات نقدية تهدف إلى الحفاظ على استقرار الدرهم. هذا التوجه ينعكس على سعر الأوقية في السوق الوطنية، الذي يتذبذب بين 45 ألفاً و46 ألفاً و200 درهم، مع تأثير مباشر على أسعار القيساريات، حيث يتراوح الفرق بين سعر البيع والشراء عادة بين 5 و10 دراهم للغرام الواحد، تبعاً لكلفة المصنعية والضمانة.
فرص المستثمرين بين الشراء والبيع
من زاوية استثمارية، يمثل هذا الأسبوع فرصة حقيقية للمستثمرين المغاربة الذين يتابعون حركة الأسعار بشكل يومي. فقد يتيح التصحيح المتوقع إمكانية اقتناء الذهب المستعمل أو ما يعرف بالهمزة بسعر يقل عن 1050 درهماً للغرام من عيار 18، في وقت يتزايد فيه الإقبال على السبائك واللويز نتيجة مخاوف من تضخم غذائي محلي مرتبط بارتفاع أسعار الحبوب. في المقابل، يُنصح ببيع المصوغات الجديدة إذا تجاوز سعر الغرام 1150 درهماً، ما يسمح بجني أرباح قد تصل إلى 15 في المائة مقارنة ببداية الشهر.
الدولار الأميركي يحسم الاتجاه النهائي
يبقى الاتجاه النهائي للأسعار رهيناً ببيانات التضخم الأمريكية المنتظرة يوم 27 يناير، وبمسار الدولار الذي يظهر قوة نسبية أمام الدرهم عند حدود 9.85 درهم للدولار. هذا العامل يعزز احتمال عودة الصعود في حال تراجع الدولار بفعل سياسات أمريكية تشجع التصدير، ليظل سوق الذهب في المغرب مرآة دقيقة للتوازنات العالمية، مع خصوصية محلية تجعل كل صفقة حساباً دقيقاً بين الفرص والمخاطر.





