ما يبدو في الخطاب الرسمي قصة نجاح متصاعدة، يخفي في العمق إشكالاً أكثر تعقيداً: المغرب لا يعاني من نقص في الأرقام، بل من فائض في طرق احتسابها. داخل نفس المؤشر، تتعايش النية مع التنفيذ، والترويج مع النتيجة، والاتفاق مع الأثر. هنا تحديدا تبدأ القصة الحقيقية للوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات AMDIE، ليس فقط كفاعل ترويجي، بل كنظام كامل لإنتاج “الأرقام الكبيرة” التي تبدو دقيقة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى تفكيك صارم حتى تُفهم.
منذ إطلاق علامة Morocco Now، دخلت وكالة AMDIE مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من جذب الاستثمار إلى “تصنيع صورته”. هذا التحول انعكس مباشرة في طبيعة المؤشرات التي بدأت تظهر في البلاغات الرسمية، خصوصاً تلك المرتبطة بالمجالس الإدارية، والتي أصبحت تعتمد على حجم النشاط، وعدد الاتفاقيات، وقيمة المشاريع المعلنة، أكثر مما تعتمد على الاستثمار المنجز فعلياً.
إذا بدأنا بسنة 2021، سنجد أنها تمثل سنة انتقالية، لكنها حاسمة لفهم المنهجية. بعد صدمة كوفيد، كان الهدف الأساسي هو إعادة تشغيل آلة الترويج. تم التركيز على استئناف اللقاءات الدولية، إعادة فتح قنوات التواصل مع المستثمرين، وإطلاق الدينامية الجديدة المرتبطة بالعلامة الوطنية. لكن على مستوى الأرقام، كان هناك غموض واضح: النشاط يرتفع، لكن لا يوجد تفكيك دقيق لحجم الاستثمارات التي تحققت فعلياً. بمعنى آخر، تم قياس “عودة الحركة”، وليس “عودة الاستثمار”.
إقرأ المزيد
بعثات AMDIE..هل تحولت صفقات الترويج إلى صناعة وهم اقتصادي؟
في سنة 2022، تبدأ أرقام AMDIE في التضخم بشكل ملحوظ. تم الإعلان عن حوالي 169 عملية ترويجية، و135 مذكرة تفاهم بقيمة تقارب 63 مليار درهم، مع توقعات بخلق حوالي 58 ألف منصب شغل. هذا الرقم، في ظاهره، يعكس طفرة استثمارية. لكن عند تفكيكه، يتضح أن الجزء الأكبر منه مرتبط بمذكرات تفاهم (MoU)، أي اتفاقيات غير ملزمة بالكامل، تمثل التزاماً أولياً أكثر مما تمثل استثماراً منفذاً. في نفس الوقت، تشير المعطيات إلى أن المغرب استقطب حوالي 2.1 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر سنة 2022، مع تراجع بنحو 6%.
هنا يظهر أول تناقض واضح: الأرقام الترويجية ترتفع، بينما التدفقات الفعلية تتراجع.
في سنة 2023، ومع دخول ميثاق الاستثمار الجديد حيز التنفيذ، ارتفع سقف الخطاب لدى مسؤولي AMDIE أكثر. تم الحديث عن تسريع وتيرة المصادقة على المشاريع، وتحسين مناخ الأعمال، وتوسيع قاعدة المستثمرين. لكن في المقابل، لم يتم تقديم تفكيك دقيق لمسار هذه المشاريع: كم منها دخل مرحلة التنفيذ؟ كم منها لا يزال في مرحلة الدراسات؟ وكم منها تعثر؟ هذا الغياب للتفصيل يجعل الرقم الإجمالي يبدو قوياً، لكنه يخفي داخله تفاوتاً كبيراً في مستوى تحقق المشاريع.
في سنة 2024، تصل أرقام AMDIE إلى ذروتها الخطابية. تم الإعلان عن أكثر من 100 عملية ترويجية في أكثر من 25 سوقاً، واستقبال عشرات الوفود الدولية، ومشاريع استثمارية بمئات المليارات. لكن في نفس الوقت، تشير بيانات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بلغت حوالي 16.2 مليار درهم خلال الأشهر الخمسة الأولى فقط، بارتفاع 20% مقارنة بسنة 2023.
رغم أن هذا الرقم إيجابي، إلا أنه يظل بعيداً جداً عن “مئات المليارات” التي يتم الترويج لها داخل الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات AMDIE. مرة أخرى، نحن أمام مستويين مختلفين:
- مستوى الترويج (projects announced)
- مستوى التدفقات الفعلية (FDI flows)
في قلب هذا التباين بين ما يُعلن وما يتحقق فعلياً، تبرز بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة، كنوع من “المرآة الخارجية” التي لا تخضع لمنطق البلاغات الوطنية ولا لإيقاع الخطاب الترويجي. فهي لا تتعامل مع نوايا الاستثمار ولا مع الاتفاقيات الأولية، بل مع ما يمكن قياسه اقتصادياً بشكل صارم: تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي دخلت فعلياً إلى الاقتصاد، وتحولت إلى مشاريع ممولة وقيد التشغيل أو الإنجاز.
هنا يتكشف الفارق البنيوي الذي يحاول التحليل تفكيكه. ففي الوقت الذي تُقدَّم فيه أرقام وطنية في صيغة تراكمية تشمل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والمشاريع المعلنة، تأتي أرقام UNCTAD لتعيد ضبط الصورة عند حدود التنفيذ الفعلي فقط. بمعنى آخر، ما يُقدَّم في مرحلة الإعلان لا يدخل في الحساب الدولي إلا إذا تحوّل إلى تدفق مالي فعلي داخل الاقتصاد.
هذا الاختلاف في المنهجية لا ينتج مجرد فرق إحصائي، بل فجوة تفسيرية كاملة. فحين يُعلن عن استثمارات بمئات المليارات، فإن جزءاً كبيراً منها يكون ما يزال في نطاق النية أو الالتزام أو الاتفاق الإطاري، بينما لا يظهر في بيانات UNCTAD إلا ما تحوّل إلى رأسمال دخل فعلياً إلى الدورة الاقتصادية. ومن هنا تصبح المقارنة ليست بين رقمين، بل بين نظامين مختلفين في تعريف “الاستثمار” نفسه.
في هذا المستوى، تتحول UNCTAD إلى أداة تفكيك أكثر من كونها مرجعاً إحصائياً. فهي تعيد تعريف ما يُعتبر نجاحاً استثمارياً: ليس حجم الإعلانات، بل حجم التدفقات المنجزة. وهو ما يضع المؤشرات الوطنية أمام سؤال مباشر: هل تقيس الجاذبية الاستثمارية، أم تقيس فقط كثافة الترويج واتفاقيات المرحلة الأولى؟
وعند نقل هذا المنطق إلى المستوى القطاعي، تتضح الصورة بشكل أكثر حدة، لأن القطاعات التي تُقدَّم داخل خطاب AMDIE لا تظهر كاختيارات اقتصادية متباينة، بل ككتلة سردية واحدة ضمن “المغرب الاستثماري”، رغم اختلاف طبيعتها الاقتصادية جذرياً.
في قطاع السيارات، على سبيل المثال، يتم احتساب توسعات داخل منظومات إنتاج قائمة ضمن نفس منطق “الاستثمار الجديد”، رغم أن جزءاً كبيراً من هذه الدينامية يعكس رفع الطاقة الإنتاجية داخل سلاسل صناعية مستقرة يقودها فاعلون عالميون. ما يُحسب هنا كاستثمار هو في الواقع توسع إنتاجي داخل قاعدة موجودة مسبقاً، وليس تدفقاً استثمارياً جديداً بالمعنى الصارم الذي تعتمده المعايير الدولية.
في قطاع الطيران، يتكرر المنطق نفسه ولكن داخل بنية أكثر تعقيداً، حيث ترتبط المنظومة الصناعية المغربية بسلاسل توريد عالمية طويلة الأمد. النمو المسجل في عدد الشركات أو الوظائف لا يعكس بالضرورة موجات استثمار جديدة، بل استمراراً لدورات إنتاج ممتدة زمنياً، ما يجعل تحويله إلى “أرقام استثمارية سنوية” عملية تحتاج إلى قدر كبير من التبسيط.
أما في التعهيد، فإن مؤشرات خلق الوظائف وافتتاح المراكز تُدرج مباشرة ضمن منطق الجاذبية الاستثمارية، رغم أن جزءاً منها يتعلق بتحويلات تشغيلية داخل نفس الشركات أو توسعات خدماتية لا تعكس دائماً دخول رأسمال جديد. هنا يصبح التشغيل مؤشراً بديلاً للاستثمار، وليس نتيجة له.
وفي الطاقات المتجددة، يختلط الاستثمار العمومي الاستراتيجي، الذي تقوده مؤسسات مثل MASEN، مع الاستثمارات الخاصة في نفس السردية، رغم اختلاف جذري في طبيعة التمويل، المخاطر، والأفق الزمني. هذا الدمج يجعل من الصعب التمييز بين الاستثمار البنيوي طويل الأمد وبين التدفقات الاستثمارية القابلة للقياس السنوي.
النتيجة النهائية ليست فقط تراكماً في الأرقام، بل إعادة تركيب للواقع الاقتصادي نفسه داخل سردية موحدة. حيث تُدمج توسعات إنتاجية، واستمرارية صناعية، واستثمارات بنيوية، في نفس الإطار المفاهيمي الذي يُقدَّم كـ“تدفقات استثمارية جديدة”.
وهنا يعود منطق UNCTAD ليكتسب أهميته القصوى: لأنه لا يسائل حجم الأرقام، بل طريقة تعريفها. وفي هذا الفرق تحديداً، لا يعود النقاش حول ما إذا كانت الاستثمارات موجودة أو لا، بل حول ما إذا كانت تُقاس بنفس اللغة التي يقيس بها العالم الاستثمار فعلياً.
إقرأ المزيد
“المغرب أول منتج للطاقات المتجددة في إفريقيا” هل تقول MOROCCO NOW كل الحقيقة؟
في سنة 2025، تستمر نفس المنهجية في أرقام AMDIE. تكثيف الأنشطة، توسيع الأسواق، وتقديم حصيلة إجمالية متضخمة، دون تقديم خريطة دقيقة لمسار الاستثمار من لحظة الإعلان إلى لحظة التنفيذ. الأرقام تتراكم، لكن القدرة على تفسيرها لا تتحسن بنفس الوتيرة.
عند قراءة هذه السنوات بشكل متسلسل، يظهر نمط واضح: كل سنة ترتفع الأرقام، لكن دون أن تتوحد منهجية احتسابها. وكلما ارتفع الرقم، كلما أصبح أقل تجانساً.
هذا النمط المعتمد من طرف AMDIE هو بالضبط ما التقطته تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD في تحليلها العميق لوظيفة الوكالة. التقرير لا يشكك في الدور الاستراتيجي، لكنه يكشف ثلاث مفارقات أساسية. أولاً، تضخم المهام.
فالوكالة لا تقوم فقط بالترويج، بل أيضاً بتدبير الحوافز، دعم الصادرات، والمساهمة في السياسات الترابية. هذا الاتساع يجعل من الصعب تحديد مسؤوليتها المباشرة عن النتائج، ويخلق نوعاً من “الضباب المؤسسي” حول من يصنع الاستثمار فعلياً.
ثانياً، التحول نحو “صناعة الصورة”. منذ إطلاق Morocco Now، أصبح جزء مهم من الموارد موجهاً نحو التسويق وبناء العلامة، وهو ما يعني عملياً أن الترويج لم يعد وسيلة فقط، بل أصبح هدفاً بحد ذاته.
ثالثاً، ضعف مؤشرات النتائج. التقرير يشير بوضوح إلى أن المؤشرات الحالية تركز على النشاط (عدد اللقاءات، الاتفاقيات، البعثات)، أكثر مما تركز على النتائج (الاستثمار المنجز، الوظائف الفعلية). ويدعو إلى تطوير مؤشرات “Outcome-based” لقياس الأثر الحقيقي.
AMDIE: مقارنات لا بد منها
هذه الخلاصات تكتسب أهمية أكبر عند مقارنتها بتجارب دول أخرى. في فرنسا، تعتمد Business France على فصل صارم بين المشاريع المعلنة والمشاريع المنجزة، مع نشر عدد الوظائف التي تم خلقها فعلياً، وليس المتوقعة.
وفي ألمانيا، تعمل Germany Trade & Invest على تتبع مسار المستثمر بعد دخوله السوق، وليس فقط خلال مرحلة الترويج.
أما في تركيا، عبر Invest in Türkiye، يتم ربط الأداء مباشرة بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر كما تقيسها UNCTAD، ما يجعل الرقم النهائي أكثر ارتباطاً بالواقع المالي.
لكن المقارنة الأكثر دلالة هي مع دول إفريقية من نفس المستوى. في رواندا، تعتمد Rwanda Development Board على نظام مزدوج: registered investments يقابله realized investments، مع نشر نسبة التنفيذ لكل مشروع.
وفي كينيا، تقوم Kenya Investment Authority بربط الترويج بنتائج صناعية ملموسة مثل عدد المصانع التي دخلت الخدمة فعلياً داخل المناطق الاقتصادية.
أما في مصر، تعتمد الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بشكل أكبر على مؤشرات التدفقات الفعلية رغم وجود نفس إشكالات الاتفاقيات.
هذه المقارنات تكشف أن المشكلة في الحالة المغربية ليست في ضعف الجاذبية، بل في طريقة قياسها. لأن نفس الرقم يمكن أن يعني ثلاثة أشياء مختلفة: 63 مليار درهم = اتفاقيات، 200 مليار درهم = مشاريع مصادق عليها، 16 مليار درهم = تدفقات فعلية.
لكن هذه المستويات الثلاثة تُعرض غالباً داخل نفس السردية. وهنا تظهر المفارقة المركزية: المغرب لا يبالغ في الأرقام، بل يخلط بين مستوياتها.
هذا الخلط هو ما يعطي الانطباع بالتضخم، لأن الرقم يصبح تجميعاً لـ: ما تم توقيعه، ما قد يتحقق، ما تحقق فعلاً.
وفي غياب التفكيك، يتحول هذا الخليط إلى “حقيقة رقمية واحدة”. في النهاية، لا يتعلق الأمر بنفي الإنجازات، بل بإعادة تعريفها، لأن قوة أي سياسة استثمارية لا تقاس فقط بحجم الأرقام التي تنتجها، بل بقدرتها على شرح هذه الأرقام.
وهنا يعود السؤال، بصيغة أكثر حدة: هل المشكلة في حجم الاستثمار؟ أم في طريقة تحويله إلى رقم؟
في الحالة المغربية، الجواب يبدو واضحاً: الاستثمار موجود، لكن الرقم الذي ترويه الوكالة لمغربية لتنيمة الاستثمارات والصادرات AMDIE، أكبر من قصته الحقيقية.







