
أفاد تقرير حديث صادر عن DHL ضمن إصدار مؤشر الاتصال العالمي لسنة 2026 بأن المغرب واصل تحسين موقعه في خريطة الاندماج الاقتصادي الدولي، بعدما حل في المرتبة 72 عالمياً بدرجة تقارب 52 نقطة، مسجلاً تقدماً ملموساً مقارنة بإصدارات سابقة للمؤشر، خاصة نسخة 2019 التي كان فيها في مراتب أدنى وبنقاط أقل في حدود منتصف الأربعينات، وهو ما يعكس منحى تصاعدياً تدريجياً في مستوى انخراط المملكة في التدفقات العابرة للحدود.
ويُعد مؤشر الاتصال العالمي الذي تصدره DHL من بين الأدوات المرجعية التي تقيس مدى ترابط اقتصادات العالم، إذ يعتمد على قاعدة بيانات ضخمة تشمل ملايين المؤشرات المرتبطة بحركة التجارة الدولية، وتدفقات رؤوس الأموال، وانتقال المعلومات، وتنقل الأشخاص، مع تقييم عنصرين أساسيين هما عمق الاندماج، أي وزن التدفقات الدولية مقارنة بالنشاط الداخلي، واتساعها الجغرافي الذي يقيس تنوع الشركاء الدوليين.
وتظهر المعطيات المتقاطعة مع تقارير دولية أخرى أن المغرب انتقل خلال أقل من عقد من وضعية اقتصاد متوسط الاتصال إلى فاعل أكثر حضوراً في الشبكات العالمية، مدعوماً بإصلاحات هيكلية مست البنيات التحتية والتشريعات الاقتصادية، إلى جانب الانخراط في اتفاقيات تبادل حر عززت انفتاحه على الأسواق الخارجية.
في محور التجارة، سجلت المملكة تحسناً واضحاً في كثافة المبادلات الخارجية مقارنة بحجم الاقتصاد، وهو ما يعكس اندماجاً أكبر في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في الصناعات التصديرية. وتؤكد بيانات حديثة صادرة عن World Trade Organization أن المغرب رسخ موقعه كشريك تجاري رئيسي لعدد من الاقتصادات الكبرى، حيث تظل Spain وFrance في صدارة الشركاء التجاريين، سواء على مستوى الصادرات الصناعية والفلاحية أو الواردات من المواد الطاقية والتجهيزات، مع تنامي حضور China وUnited States وTurkey ضمن شبكة العلاقات التجارية.
ويبرز تحليل بنية هذه المبادلات أن أوروبا لا تزال تمثل العمود الفقري للتجارة المغربية، غير أن الاتجاه العام خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تنويع تدريجي للشركاء، ما ساهم في تحسين مؤشر الانتشار وتقليص درجة التركّز الجغرافي، وهو عامل أساسي في رفع تقييم الاتصال العالمي.
في ما يتعلق بتدفقات رؤوس الأموال، تؤكد المعطيات أن المغرب حافظ على جاذبيته للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث استقطب مشاريع صناعية وخدماتية جديدة، خصوصاً في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة. وتشير تقارير صادرة عن United Nations Conference on Trade and Development إلى استمرار تموقع المملكة كوجهة مفضلة للاستثمارات الموجهة نحو التصدير، بفضل موقعها الجغرافي وتكامل بنياتها اللوجستية، إضافة إلى توسع استثمارات شركات مغربية في الخارج، ما يعزز اندماجها في التدفقات المالية الدولية.
أما في محور المعلومات، فقد سجل المغرب تقدماً ملحوظاً مدفوعاً بتسارع التحول الرقمي، حيث ارتفعت وتيرة تبادل البيانات والخدمات الرقمية عبر الحدود، خاصة بعد جائحة كوفيد-19 التي سرعت اعتماد الحلول الرقمية. كما أظهرت المؤشرات تحسناً في التعاون العلمي الدولي، مع زيادة عدد الأبحاث المشتركة واتفاقيات الشراكة بين الجامعات المغربية ونظيراتها الأجنبية، ما يعزز حضور المملكة في الاقتصاد المعرفي العالمي.
وفي ما يخص تنقل الأشخاص، ساهم التعافي القوي لقطاع السياحة وعودة الرحلات الجوية الدولية في رفع مستوى الاتصال، حيث استعاد المغرب جزءاً كبيراً من تدفقات المسافرين، مدعوماً بفتح خطوط جديدة مع أوروبا وأمريكا وإفريقيا. كما تلعب الجالية المغربية المقيمة بالخارج دوراً محورياً في هذا الجانب، من خلال التنقلات المتكررة والتحويلات المالية التي تشكل رافعة مهمة للاقتصاد الوطني.
ورغم هذا التقدم، يضع التقرير المغرب ضمن فئة الدول التي لا تزال تمتلك هامشاً واسعاً لتعزيز اندماجها العالمي، خاصة على مستوى عمق التدفقات الذي يبقى مرتبطاً بحجم السوق الداخلية وبنية النسيج الإنتاجي. ويرى خبراء DHL أن تسريع وتيرة الإصلاحات المرتبطة بمناخ الأعمال، وتطوير البنيات التحتية اللوجستية، وتعميق التحول الرقمي، إلى جانب توسيع شبكة الشراكات التجارية، من شأنه أن يدفع المملكة إلى مراتب أكثر تقدماً في التصنيفات المقبلة، ويعزز موقعها كمحور إقليمي في سلاسل القيمة العالمية.






