
كشفت النسخة الأخيرة من تقرير African Business ضمن تصنيف إفريقيا لأكبر 250 شركة (نسخة 2025–2026)، الصادر بتاريخ 7 ماي 2026، عن استمرار الهيمنة الواضحة للشركات المغربية على مشهد الشركات المدرجة في شمال إفريقيا، سواء من حيث عدد المؤسسات الحاضرة في المراتب العليا أو من حيث مستوى الرسملة السوقية، في سياق يعكس تفاوتاً بنيوياً متزايداً بين اقتصادات المنطقة في ما يتعلق بعمق الأسواق المالية وقدرتها على إنتاج شركات كبرى.
ويُظهر التصنيف أن المغرب يسيطر بشكل شبه كامل على قمة الترتيب الإقليمي، حيث تتصدر التجاري وفا بنك قائمة الشركات في شمال إفريقيا بقيمة سوقية تتراوح بين 15.6 و17.8 مليار دولار، متقدمة بفارق واضح عن باقي المؤسسات في المنطقة، وهو ما يضعها في موقع المؤسسة المالية الأضخم إقليمياً. ويأتي في المرتبة الموالية اتصالات المغرب بقيمة تقارب 11 مليار دولار، مستفيدة من نموذج أعمال مستقر وتوسع إفريقي تدريجي، فيما عززت مناجم موقعها داخل قطاع المعادن بقيمة تتراوح بين 6 و10 مليارات دولار، مدفوعة بدورة صعود أسعار المعادن الاستراتيجية عالمياً.
وعند توسيع دائرة المقارنة داخل المغرب نفسه، يظهر أن الهيمنة لا تقتصر على ثلاث شركات كبرى فقط، بل تمتد إلى شبكة أوسع من الفاعلين المدرجين في البورصة، من بينهم البنك الشعبي المركزي وبنك إفريقيا اللذان يشكلان مع التجاري وفا بنك ثلاثية مصرفية تهيمن على القطاع البنكي المغربي والإقليمي، إلى جانب مرسى المغرب التي تعكس قوة القطاع اللوجستي والمينائي، ولافارج هولسيم المغرب التي تمثل أحد أعمدة قطاع البناء والإسمنت. كما يبرز القرض العقاري والسياحي وسوناسيد وليسيور كريستال كأمثلة على تنوع القاعدة الصناعية المغربية بين التمويل والصناعة الغذائية والصلب.
وعند الانتقال إلى المقارنة الإقليمية، يتضح أن الفجوة مع باقي دول شمال إفريقيا لا تقتصر على عدد الشركات، بل تمتد إلى طبيعة القطاعات نفسها. فمصر، رغم امتلاكها لاقتصاد يعد الأكبر في المنطقة من حيث الناتج الداخلي الإجمالي، لا تظهر بنفس القوة في تصنيف الشركات المدرجة، حيث تقتصر أبرز تمثيلياتها على البنك التجاري الدولي والسويدي إليكتريك واتصالات مصر، وهي شركات قوية فردياً لكنها أقل عدداً وأقل حضوراً في المراتب الأولى مقارنة بالمغرب.
أما تونس، فيقتصر حضورها على شركات بنكية وصناعية محدودة مثل البنك التونسي والشركة التونسية للبنك والشركة التونسية لصناعة المشروبات، ما يعكس محدودية عمق السوق المالية وقدرتها على خلق شركات ضخمة قابلة للمنافسة الإقليمية. في المقابل، يبقى حضور الجزائر شبه غائب في هذا التصنيف بسبب ضعف الإدراجات في البورصة المحلية، بينما لا يظهر أي تمثيل فعلي لليبيا ضمن المراتب المتقدمة.
وتكشف المقارنة القطاعية أن المغرب يتميز ببنية اقتصادية “مُرسملة” بشكل أوضح من باقي دول المنطقة، إذ تتركز شركاته الكبرى في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية من حيث الرسملة مثل الأبناك والاتصالات والمعادن والموانئ، وهي قطاعات تسمح بتراكم قيم سوقية كبيرة مقارنة بالقطاعات الاستهلاكية أو الطاقية المهيمنة في اقتصادات أخرى. في المقابل، تعتمد مصر مثلاً بشكل أكبر على شركات متنوعة لكنها أقل رسملة نسبياً، بينما تعاني الجزائر وتونس من محدودية عدد الشركات المدرجة الكبيرة.
كما يبرز فارق مهم على مستوى التوسع الإقليمي، حيث نجحت المجموعات المغربية، خصوصاً البنكية منها، في بناء حضور واسع داخل إفريقيا جنوب الصحراء، ما انعكس على تقييمها المالي داخل التصنيفات الدولية، بينما يظل توسع الشركات في باقي دول شمال إفريقيا أقل دينامية وأكثر ارتباطاً بالأسواق المحلية.
ورغم هذا التفوق الواضح، فإن التقرير يوضح أن معيار التصنيف يعتمد أساسا على القيمة السوقية للشركات المدرجة، ما يعني أنه لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للاقتصادات أو مستويات التنمية أو توزيع الثروة. فاقتصادات مثل مصر قد تكون أكبر من حيث الناتج الداخلي، لكنها أقل تمثيلاً في أسواق الأسهم، في حين يعكس المغرب نموذجاً أكثر اندماجاً في الأسواق المالية، حيث تتحول الشركات إلى أدوات رئيسية لقياس القوة الاقتصادية.
وتشير هذه المقارنات مجتمعة إلى أن الفجوة بين دول شمال إفريقيا لم تعد مرتبطة فقط بالحجم الاقتصادي التقليدي، بل أصبحت مرتبطة أيضا بقدرة كل اقتصاد على إنتاج شركات مدرجة كبيرة، وعلى تطوير أسواق مالية عميقة قادرة على استقطاب الرساميل وتقييم الشركات بشكل تنافسي على المستوى الإقليمي والدولي.






