
في بلد ترتفع فيه البطالة، وتتآكل فيه القدرة الشرائية، ويغادر فيه الشباب القرى والمدن لأنهم فقدوا الثقة في المستقبل، خرج لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، ليحدث المغاربة عن “الفردوس المهني” في تارودانت، حيث العامل يمكنه أن يجني 400 درهم في نصف يوم عمل، وكأن المغرب اكتشف فجأة كنزا اقتصاديا مخفيا لم ينتبه إليه أحد سوى الحكومة.
المشكلة ليست في الرقم نفسه. نعم، قد توجد حالات استثنائية خلال مواسم فلاحية معينة، أو داخل ضيعات تصديرية محدودة، يحصل فيها بعض العمال على دخل يومي مرتفع نسبيًا. لكن تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وتسويق حالة موسمية معزولة وكأنها تعكس الواقع الحقيقي لسوق الشغل، ليس سوى شكل فج من أشكال دغدغة المشاعر الجماعية وبيع الوهم للمغاربة.
هذا ليس تصريحًا بريئًا. وليس مجرد حماس سياسي عابر. بل نموذج صارخ لخطاب رسمي قائم على صناعة الانطباعات بدل مواجهة الحقائق. خطاب يقتات على الأرقام المثيرة والقصص الانتقائية، ويستعمل جزءًا صغيرًا من الحقيقة لإخفاء الحقيقة كاملة.
المغاربة يعرفون جيدًا ماذا يعني العمل الفلاحي في هذا البلد. يعرفون معنى الاستيقاظ قبل الفجر، والتنقل في ظروف مهينة أحيانًا، والعمل الموسمي غير المستقر، والأجور الهزيلة التي لا تكفي لمواجهة غلاء المعيشة. يعرفون أن القطاع الفلاحي، رغم أهميته، ما يزال قائمًا في جزء كبير منه على الهشاشة وغياب الأمان الاجتماعي. ويعرفون أيضًا أن آلاف العمال الزراعيين لا يقتربون أصلًا من هذا الرقم الذي جرى تسويقه وكأنه عنوان “النجاح المغربي”.
لكن بدل الاعتراف بهذه الحقيقة، يخرج مسؤول حكومي ليقتطع حالة استثنائية من سياقها، ثم يعرضها على الرأي العام كما لو أنها إنجاز اقتصادي يستحق التصفيق.
أي استخفاف هذا بعقول المواطنين؟
هل المطلوب من الشباب المغربي أن يقتنع بأن أزمة البطالة يمكن حلها عبر قصص موسمية عن “400 درهم في نصف يوم”؟ وهل يعتقد أصحاب هذا الخطاب أن المغاربة سيقتنعون بأن مستقبلهم المهني يوجد داخل موسم جني قد ينتهي بعد أسابيع؟
الأخطر من التصريح نفسه هو الذهنية التي تقف خلفه: عقلية التجميل بدل الإصلاح، والدعاية بدل المصارحة، والتسويق السياسي بدل السياسات العمومية الحقيقية. عقلية تعتبر أن وظيفة المسؤول ليست قول الحقيقة كما هي، بل تلميع الواقع وصناعة جرعات أمل سريعة للاستهلاك الإعلامي، حتى ولو كانت منفصلة تمامًا عن الحياة اليومية للمواطنين.
لو كان الوضع بهذه الورديّة التي يحاول بعض المسؤولين رسمها، لما تحولت الهجرة إلى حلم جماعي لدى آلاف الشباب، ولما خاطر الناس بحياتهم في قوارب الموت، ولما أصبح البحث عن وظيفة مستقرة هاجسًا يوميًا داخل كل بيت مغربي تقريبًا.
لكن يبدو أن بعض الخطابات الرسمية تعيش داخل فقاعة مغلقة، حيث تكفي قصة معزولة أو رقم ظرفي لصناعة “نجاح” وهمي، حتى لو كان الواقع الاجتماعي في الاتجاه المعاكس تمامًا.
الأزمة الحقيقية ليست في تصريح واحد فقط، بل في منطق كامل أصبح يحكم جزءًا من التواصل الحكومي: تضخيم الاستثناءات، وتجاهل القاعدة، وتسويق الوقائع الجزئية كأنها صورة كاملة عن البلاد. نفس المنهج الذي يحول قصة نجاح فردية إلى “ثورة اقتصادية”، أو مشروعًا محدودًا إلى “إنجاز تاريخي”، أو رقمًا موسميًا إلى دليل على “الإقلاع الاجتماعي”.
هذا النوع من الخطاب لم يعد يقنع أحدًا، لأن الفجوة أصبحت هائلة بين المغرب الذي يتحدث عنه بعض المسؤولين، والمغرب الذي يعيشه المواطن يوميًا.
المغرب لا يحتاج إلى مسؤولين يجيدون رواية القصص الجميلة أو صناعة “البوز”، بل إلى مسؤولين يمتلكون شجاعة قول الحقيقة كما هي: أن سوق الشغل يعيش أزمة، وأن الأجور في قطاعات واسعة لا تضمن الكرامة، وأن العمل الموسمي لا يمكن تقديمه كحل استراتيجي لجيل كامل يبحث عن الاستقرار والأفق.
لأن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة ليس الكذب المباشر، بل استعمال جزء صغير من الحقيقة لإخفاء الحقيقة كاملة.






