رئيسيةمتابعات

حرب خفية بين شركات الاتصالات في المغرب: 1.6 مليون رقم ينتقل بين الشبكات

كشفت المعطيات الرسمية الصادرة عن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات عن تسارع واضح في ظاهرة نقل الأرقام الهاتفية بين شركات الاتصالات في المغرب، في مؤشر يعكس تحولا تدريجيا في سلوك المستهلك المغربي داخل سوق الاتصالات التي تقترب من مرحلة التشبع، حيث لم يعد النمو يعتمد أساسا على استقطاب زبائن جدد بقدر ما أصبح رهينا بقدرة المشغلين على جذب مشتركي المنافسين وتحسين جودة الخدمات المقدمة.

وبحسب البيانات التحليلية الصادرة عن الوكالة، فقد تجاوز العدد التراكمي لعمليات نقل أرقام الهاتف المحمول في المغرب 1.6 مليون رقم مع نهاية سنة 2025، مسجلا نموا سنويا يقارب 9 إلى 10 في المائة مقارنة مع سنة 2024، وهو ما يؤكد تنامي لجوء المستخدمين إلى هذه الآلية لتغيير مزود الخدمة مع الاحتفاظ بنفس الرقم الهاتفي الذي يستخدمونه في حياتهم اليومية أو المهنية. وتشير هذه الأرقام إلى أن خدمة الاحتفاظ بالرقم، التي تم إدخالها تدريجيا إلى السوق المغربية بهدف تعزيز المنافسة، تحولت اليوم إلى أداة أساسية تمنح المستهلك قدرة أكبر على الانتقال بين العروض المختلفة دون فقدان هويته الرقمية المرتبطة برقم الهاتف.

وتسمح هذه الآلية لأي مشترك في خدمات الهاتف المحمول أو الثابت بالانتقال من مشغل إلى آخر مع الاحتفاظ بنفس الرقم، سواء كان الخط في نظام الدفع المسبق أو ضمن اشتراك شهري، إذ يكفي أن يتقدم الزبون بطلب إلى المشغل الجديد الذي يتولى بدوره الإجراءات التقنية والإدارية الخاصة بعملية النقل. وقد عملت الهيئة التنظيمية خلال السنوات الأخيرة على تبسيط هذه المسطرة بشكل كبير، حيث تم تقليص مدة تنفيذ عملية نقل الرقم إلى حوالي يوم واحد فقط في معظم الحالات بعد أن كانت تستغرق عدة أيام، وهو ما ساهم في رفع عدد الطلبات وتحفيز المنافسة بين الشركات. �

anrt.ma

ولا تقتصر هذه الدينامية على الهاتف المحمول، بل تمتد كذلك إلى سوق الهاتف الثابت، حيث سجلت عمليات نقل الأرقام الخاصة بالخطوط الثابتة ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع توسع خدمات الإنترنت عالي الصبيب واعتماد الأسر والمقاولات بشكل متزايد على الألياف البصرية. وتفيد المعطيات القطاعية بأن عشرات الآلاف من المشتركين يقومون سنويا بتغيير مزود خدمة الهاتف الثابت والإنترنت مع الاحتفاظ بنفس الرقم، خصوصا في المدن الكبرى التي تشهد تنافسا متزايدا في عروض الإنترنت المنزلي عالي السرعة.

ويأتي هذا التطور في سياق سوق اتصالات مغربية تعتبر من بين الأكثر انتشارا في المنطقة من حيث عدد الاشتراكات. فمع نهاية سنة 2025 بلغ إجمالي عدد اشتراكات الهاتف المحمول في المملكة حوالي 59 مليون اشتراك، وهو رقم يفوق بكثير عدد السكان، ما يعني أن معدل انتشار الهاتف المحمول يتجاوز 150 في المائة، وهو مؤشر واضح على تشبع السوق وامتلاك عدد كبير من المستخدمين لأكثر من خط هاتفي واحد.

هذا الوضع يجعل المنافسة بين المشغلين الثلاثة الرئيسيين أكثر حدة، وهم اتصالات المغرب وOrange Maroc وInwi، حيث لم يعد الرهان الأساسي هو جذب مشتركين جدد بقدر ما أصبح يتعلق بالحفاظ على قاعدة الزبائن الحالية واستقطاب مستخدمين من الشبكات المنافسة عبر عروض أكثر جاذبية من حيث الأسعار أو جودة الاتصال أو حجم البيانات.

في المقابل، يواصل سوق الإنترنت في المغرب تسجيل نمو مستمر مدفوعا بالتحول الرقمي المتسارع في الاقتصاد والمجتمع. فقد تجاوز عدد اشتراكات الإنترنت، سواء عبر الهاتف المحمول أو الشبكات الثابتة، 41 مليون اشتراك مع نهاية سنة 2025، ما يعكس انتشارا واسعا للخدمات الرقمية واعتمادا متزايدا على الاتصال بالإنترنت في مختلف الأنشطة اليومية، بدءا من العمل والتعليم وصولا إلى التجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الرقمية.

ويؤكد هذا التحول أن الإنترنت، وليس المكالمات الصوتية التقليدية، أصبح المحرك الرئيسي لنمو قطاع الاتصالات. ففي الوقت الذي تتراجع فيه أهمية المكالمات الهاتفية التقليدية تدريجيا لصالح تطبيقات التراسل الفوري والمكالمات عبر الإنترنت، تتزايد الحاجة إلى حزم بيانات أكبر وسرعات اتصال أعلى، ما يدفع المشغلين إلى الاستثمار في تحديث شبكات الجيل الرابع وتوسيع انتشار شبكات الجيل الخامس إضافة إلى تسريع نشر الألياف البصرية في المدن والمناطق الصناعية.

وتلعب الهيئة التنظيمية دورا محوريا في ضمان حسن سير هذه المنافسة، حيث تشرف الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات على تنظيم سوق الاتصالات ومراقبة احترام المشغلين للقواعد التنظيمية المتعلقة بنقل الأرقام وجودة الخدمة وحقوق المستهلكين. وتشدد الوكالة على ضرورة تنفيذ طلبات نقل الأرقام في الآجال المحددة وعدم وضع عراقيل تقنية أو إدارية قد تحد من حرية المشترك في اختيار مزود الخدمة، باعتبار أن هذه الحرية تعد أحد أهم ركائز المنافسة في سوق الاتصالات.

كما اعتمدت الوكالة خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإجراءات التنظيمية الرامية إلى تسهيل عملية نقل الأرقام وتحسين فعاليتها، من بينها اعتماد معرف خاص بالخط يسمى “معرف هوية المشغل” لتسهيل معالجة طلبات النقل بين الشركات، إلى جانب تطوير نماذج رقمية لطلبات النقل وتوحيد الإجراءات التقنية المعتمدة بين المشغلين.

وتعكس هذه التطورات تحولا عميقا في طبيعة العلاقة بين المستهلك وشركات الاتصالات في المغرب. فبعد سنوات طويلة كان فيها المشترك مرتبطا بمشغله لفترات طويلة بسبب صعوبة تغيير الرقم أو الإجراءات المعقدة للانتقال إلى شركة أخرى، أصبح اليوم قادرا على تغيير المزود بسهولة نسبية، وهو ما عزز موقعه التفاوضي داخل السوق وفرض على الشركات تحسين جودة الشبكات وخدمة الزبناء وتقديم عروض أكثر مرونة.

وفي ظل هذا الواقع الجديد، يبدو أن المنافسة في سوق الاتصالات المغربية تتجه بشكل متزايد نحو جودة الإنترنت وسرعة الشبكات بدلا من المكالمات التقليدية، خاصة مع توسع الاقتصاد الرقمي واعتماد المقاولات والأفراد على خدمات الحوسبة السحابية والعمل عن بعد والتطبيقات الرقمية المختلفة، وهي عوامل تجعل من قدرة المشغلين على الاستثمار في البنية التحتية الرقمية عاملا حاسما في تحديد موقعهم داخل السوق خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى