رئيسيةوجهات نظر

أين يعيش زيدان؟

في عز الغضب الشعبي بسبب أسعار الأضاحي وفقدانها من الأسواق، خرج الوزير كريم زيدان ليقدم واحدا من أكثر التصريحات استفزازا للمغاربة هذا الموسم. لم يتحدث الرجل كثيرا عن سبب فشل الدعم في خفض الأسعار، ولا عن اختفاء أثر ملايين الدراهم التي صُرفت باسم حماية القدرة الشرائية، ولا عن التناقض الصارخ بين حديث الحكومة عن “الوفرة” وبين واقع الأسواق الملتهبة. بل اختار طريقا آخر: التلميح إلى أن “المؤثرين” ضخّموا الأزمة.

وكأن المغاربة لم يدخلوا الأسواق. وكأن الآباء لم يعودوا إلى بيوتهم مصدومين من الأسعار. وكأن الناس لم يعيشوا فعلا موسما مرتبكا ومؤلما.

كريم زيدان بدا في خرجته وكأنه منزعج من تصوير الأزمة أكثر من انزعاجه من الأزمة نفسها. كان هادئا أكثر من اللازم، باردا أكثر من اللازم، ويتحدث بلغة تقنية جافة، بينما ملايين المغاربة كانوا يعيشون واحدة من أصعب لحظات عيد الأضحى اجتماعيا ونفسيا.

الرجل لم يفهم، أو ربما لم يرد أن يفهم، أن المشكل لم يكن فقط في ثمن الخروف، بل في الإحساس الجماعي بالإهانة. حين تصبح الأضحية حلما مستحيلا بالنسبة لأسر كانت إلى وقت قريب تشتريها بشق الأنفس، فالأزمة تتحول من ملف اقتصادي إلى جرح اجتماعي.

لكن بدل الاعتراف بالفشل، خرج الوزير ليعطي الانطباع بأن “السوشيال ميديا” ساهمت في خلق صورة سوداوية. هنا سقط الخطاب الحكومي كله.

لأن المؤثرين لم يخترعوا الأسعار. ولم يخترعوا الفوضى. ولم يخترعوا الغضب.

هم فقط فتحوا الكاميرا.

وهذا ما أخاف الحكومة.

في السابق، كان بإمكان أي وزير أن يخرج بتصريح مطمئن، فتتبناه القنوات والإذاعات وينتهي النقاش. اليوم، يكفي شاب بهاتف بسيط داخل سوق أسبوعي حتى ينسف رواية رسمية كاملة. وهذا بالضبط ما حدث مع كريم زيدان.

الحكومة قالت إن الأسواق ستعرف وفرة، لكن الفيديوهات كشفت أن الأسعار تحرق الجيوب.

الحكومة قالت إنها قدمت الدعم، والمواطن يتساءل: “لمن ذهب الدعم حقيقة؟”.

الحكومة قالت إن المشكل تم تضخيمه، لكن الأسواق قالت العكس واصطدم المغاربة بواقع مرير لم يعيشوه أبدا.

لهذا كان كلام الوزير مستفزا. لأنه لم يبدُ كمسؤول جاء ليحاسب نفسه أو يشرح الاختلالات، بل كسياسي يحاول الدفاع عن صورة الحكومة بأي ثمن، حتى لو بدا منفصلا تماما عن الواقع.

الأخطر أن زيدان تحدث وكأن الأزمة إعلامية أكثر منها اقتصادية. وكأن المشكلة ليست في عجز الأسر عن شراء الأضحية، بل في تداول فيديوهات العجز على تيك توك وفيسبوك.

هذا منطق خطير.

لأن الدولة التي تبدأ في الانزعاج من نقل الواقع أكثر من انزعاجها من الواقع نفسه، تكون قد دخلت مرحلة فقدان البوصلة السياسية.

ثم إن الحكومة نفسها فضحت نفسها بنفسها. فوزراء من داخل الأغلبية اعترفوا بوجود اختلالات. فوزي لقجع أقر بأن سياسة دعم استيراد الأغنام لم تنجح كما ينبغي. نزار بركة هاجم “الفراقشية” ودعاهم إلى “تقوى الله”. فكيف يأتي كريم زيدان بعد ذلك ليُلمح إلى أن المشكل في “التهويل” الرقمي؟

الحقيقة أن ما فضح الحكومة لم يكن المؤثرون، بل الهوة المخيفة بين الكلام والواقع.

المغاربة لم يثوروا بسبب فيديوهات. المغاربة ثاروا لأنهم دخلوا الأسواق فاكتشفوا أن تصريحات الوزراء لا تشبه ما يحدث على الأرض.

ولهذا، بدل أن يتحول كريم زيدان إلى صوت للاعتراف والنقد الذاتي، اختار أن يكون صوت التبرير. وبدل أن يقول للمغاربة “أخطأنا”، أعطاهم الانطباع بأنهم هم من صدقوا “الترند”.

لكن حين يصبح الواقع نفسه “ترندا”، فالمشكل لا يكون في المؤثرين… بل في الحكومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى