
واصل الذهب خلال الأسبوع الأول من شهر ماي 2026 فرض نفسه كأحد أكثر الأصول إثارة للانتباه في الأسواق العالمية، بعدما دخل المعدن الأصفر مرحلة جديدة من التقلبات الحادة التي جمعت بين الصعود القوي والتراجعات السريعة، وسط ترقب المستثمرين لقرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وتزايد المخاوف المرتبطة بالتباطؤ الاقتصادي العالمي، إضافة إلى استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وخلال الأيام الممتدة من 1 إلى 7 ماي، تحركت أسعار الذهب في المغرب والعالم ضمن نطاقات مرتفعة تاريخياً، مع تسجيل مستويات غير مسبوقة مقارنة بالسنوات الماضية، ما أعاد الذهب إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاستثماري، ليس فقط كملاذ آمن، بل أيضاً كأداة تحوط ضد التضخم وتقلبات العملات وأسواق الأسهم.
في السوق المغربية، افتتح الذهب تداولات فاتح ماي على تراجع محدود بعد موجة ارتفاع قوية خلال أبريل، حيث سجلت أونصة الذهب حوالي 42,632 درهماً، بينما بلغ سعر غرام الذهب عيار 24 نحو 1370.82 درهماً، وعيار 21 حوالي 1199.47 درهماً، في حين استقر عيار 18 قرب 1028.11 درهماً.
لكن هذا التراجع لم يدم طويلاً. فابتداءً من 4 ماي، بدأت الأسعار تستعيد منحاها الصاعد مدفوعة بعودة الطلب العالمي على الذهب، حيث سجلت الأونصة حوالي 41,860 درهماً، قبل أن ترتفع بقوة يوم 5 ماي إلى أكثر من 42,218 درهماً، مع صعود عيار 21 إلى حوالي 1187.83 درهماً للغرام.
أما يوم 6 ماي، فقد شكل نقطة تحول قوية في الأسواق العالمية، بعدما قفزت العقود الآجلة للذهب في بورصة “كومكس” الأمريكية بنسبة 2.77% دفعة واحدة، لتصل إلى 4681.90 دولاراً للأونصة، وهو أكبر ارتفاع يومي منذ بداية أبريل. هذا الصعود انعكس مباشرة على السوق المغربية، حيث ارتفعت الأونصة إلى حوالي 43,185 درهماً، بينما قفز غرام الذهب عيار 24 إلى 1388.60 درهماً، وعيار 21 إلى 1215.02 درهماً.
وفي 7 ماي، حافظ الذهب على مستوياته المرتفعة، مع استقرار الأونصة فوق 43 ألف درهم، في وقت تجاوز فيه سعر غرام عيار 21 مستوى 1213 درهماً، وهو ما اعتبره متابعون إشارة واضحة إلى دخول الذهب مرحلة سعرية جديدة أكثر ارتفاعاً مقارنة ببداية السنة.
هذا الأداء القوي لم يكن معزولاً عن التطورات الدولية. فخلال الأسبوع الأول من ماي، تركز اهتمام المستثمرين على ثلاثة عوامل رئيسية:
أولاً، تراجع الدولار الأمريكي نسبياً أمام عدد من العملات الرئيسية، وهو ما منح الذهب دعماً إضافياً، باعتبار أن ضعف الدولار يجعل المعدن النفيس أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين خارج الولايات المتحدة.
ثانياً، تصاعد الرهانات على إمكانية لجوء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تخفيض أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من 2026، في ظل مؤشرات تباطؤ الاقتصاد الأمريكي وتراجع بعض الضغوط التضخمية. هذه التوقعات عادة ما تدفع المستثمرين نحو الذهب، لأن انخفاض الفائدة يقلل جاذبية السندات والأصول النقدية مقارنة بالمعدن الأصفر.
وثالثاً، استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما عزز الطلب على الذهب كملاذ آمن. وكالة “رويترز” أشارت إلى أن أسعار الذهب قفزت بداية الأسبوع إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من أسبوع، مدفوعة بتراجع الدولار وآمال التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرار المستثمرين في البحث عن الأصول الآمنة.
وفي المقابل، ساهمت بيانات الوظائف الأمريكية القوية نسبياً في الحد من اندفاع الأسعار نحو مستويات قياسية جديدة، بعدما اعتبر جزء من المستثمرين أن الاقتصاد الأمريكي ما يزال متماسكاً بما يكفي لتأجيل خفض الفائدة. لكن رغم ذلك، حافظ الذهب على مكاسبه الأسبوعية، لينهي الأسبوع على ارتفاع يقارب 1.95% في الأسواق العالمية.
سعر الذهب في المغرب.. حوالي 1187 درهماً
وبالنسبة للمغرب، فقد انعكست هذه التطورات العالمية بشكل شبه مباشر على أسعار البيع داخل محلات الصياغة، خاصة بالنسبة لعيار 21 الأكثر تداولاً في السوق الوطنية. فخلال أسبوع واحد فقط، ارتفع سعر الغرام من حوالي 1187 درهماً إلى أكثر من 1215 درهماً، أي بزيادة قاربت 28 درهماً للغرام الواحد. أما بالنسبة للأسر المغربية والمستهلكين، فقد أدى هذا الارتفاع إلى زيادة واضحة في أسعار الحلي والمجوهرات، خصوصاً مع إضافة تكاليف الصياغة والضرائب وهوامش الربح التجارية.
وفي سوق السبائك والاستثمار، سجل الإقبال على شراء الذهب الخام ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأيام الأخيرة، خصوصاً من طرف المستثمرين الصغار والمتوسطين الذين يبحثون عن حماية مدخراتهم من تقلبات الأسواق المالية. كما شهدت بعض الأسواق العربية والخليجية زيادة في الطلب على السبائك والعملات الذهبية، مدفوعة بالمخاوف المرتبطة بالاقتصاد العالمي والتضخم.
وتشير البيانات الدولية إلى أن البنوك المركزية العالمية ما تزال واحدة من أبرز المحركات الأساسية لسوق الذهب خلال 2026. فالصين واصلت تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر للشهر الثامن عشر على التوالي، بينما رفعت عدة دول ناشئة مشترياتها من الذهب بهدف تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي في احتياطاتها النقدية.
هذه التحركات المؤسساتية الكبرى تفسر جزئياً لماذا أصبح الذهب يحافظ على مستويات مرتفعة حتى خلال فترات التراجع المؤقت. فالسوق لم تعد مدفوعة فقط بالمضاربة اليومية، بل أيضاً بطلب استراتيجي طويل الأمد من البنوك المركزية وصناديق الاستثمار السيادية.
وفي ما يتعلق بتوقعات الأسعار خلال ما تبقى من شهر ماي، تبدو التقديرات منقسمة بين سيناريوهين رئيسيين.
السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، يفترض استمرار ارتفاع الذهب نحو مستويات جديدة قد تتجاوز 4800 دولار للأونصة عالمياً، خاصة إذا استمر ضعف الدولار وتصاعدت توقعات خفض الفائدة الأمريكية. بعض المؤسسات المالية الكبرى مثل “غولدمان ساكس” و”جي بي مورغان” رفعت بالفعل توقعاتها طويلة المدى، معتبرة أن الذهب قد يواصل موجته الصاعدة خلال 2026 بدعم من الطلب المؤسساتي القوي.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على احتمال دخول الذهب مرحلة تصحيح مؤقت خلال النصف الثاني من ماي، خاصة إذا جاءت بيانات التضخم والوظائف الأمريكية أقوى من المتوقع، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول. وفي هذه الحالة، قد تتراجع الأسعار مؤقتاً نحو مستويات تتراوح بين 4550 و4600 دولار للأونصة قبل استئناف الصعود مجدداً.
لكن رغم هذا الانقسام، تتفق أغلب التحليلات الدولية على أن الاتجاه العام للذهب ما يزال صاعداً على المدى المتوسط والطويل، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع الطلب العالمي على الأصول الآمنة. تقارير الأسواق تشير أيضاً إلى أن الذهب بدأ يستعيد زخمه الفني بعد تجاوزه متوسطات مهمة في التداولات الأخيرة، وهو ما يعزز فرضية استمرار الصعود خلال الأسابيع المقبلة.
وبالنسبة للسوق المغربية، فمن المرجح أن يتحرك سعر غرام الذهب عيار 21 خلال النصف الثاني من ماي ضمن نطاق يتراوح بين 1200 و1240 درهماً، مع إمكانية تجاوز هذه المستويات إذا سجلت الأونصة العالمية قفزات إضافية فوق 4800 دولار. أما عيار 24 فقد يتحرك بين 1370 و1410 دراهم للغرام، بينما قد يظل عيار 18 فوق مستوى 1030 درهماً.
ويرى متابعون أن الذهب تحول فعلياً خلال 2026 من مجرد أداة ادخار تقليدية إلى أصل استراتيجي عالمي يعكس حجم القلق المسيطر على الاقتصاد الدولي. فكلما ارتفعت المخاوف المتعلقة بالنمو والتضخم والحروب وأسواق المال، عاد المستثمرون بسرعة إلى المعدن الأصفر باعتباره “عملة الأزمات” بامتياز.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن شهر ماي قد يكون واحداً من أكثر الأشهر حساسية بالنسبة لسوق الذهب خلال السنة الحالية، خصوصاً مع ترقب الأسواق لاجتماعات البنوك المركزية الكبرى وصدور بيانات اقتصادية أمريكية حاسمة قد تحدد اتجاه الأسعار خلال الصيف المقبل.
وبينما يراهن البعض على وصول الذهب إلى مستويات قياسية جديدة قبل نهاية 2026، يفضل آخرون الحذر، معتبرين أن السوق دخلت بالفعل منطقة عالية التقلبات، حيث يمكن لأي تصريح من الاحتياطي الفيدرالي أو أي تطور جيوسياسي مفاجئ أن يدفع الأسعار إلى تحركات عنيفة صعوداً أو هبوطاً في ظرف ساعات فقط.
لكن المؤكد حتى الآن أن الذهب نجح خلال الأسبوع الأول من ماي في تأكيد مكانته كأحد أقوى الأصول أداءً خلال 2026، بعدما عاد بقوة إلى دائرة الاهتمام العالمي، سواء لدى المستثمرين الكبار أو حتى لدى الأسر والأفراد الباحثين عن ملاذ آمن في عالم اقتصادي يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.






