
يكشف تقرير صادر عن Africa Entrepreneurial Ecosystem Index، كما ورد في دراسة منشورة حديثا في مجلة World Development، خلاصات مقلقة عن الموقع الحقيقي للمغرب داخل خريطة الأنظمة البيئية الريادية في إفريقيا، بعيداً عن الخطاب الترويجي الذي يربط بين كثافة المبادرات ونجاعة المنظومة.
فالمؤشر، المبني على عشرات المؤشرات الفرعية التي تقيس الحوكمة، التمويل، المواهب، الشبكات، والبيئة السوقية، لا ينظر إلى عدد الشركات الناشئة، بل إلى قدرة النظام على إنتاج شركات قابلة للنمو والاستمرار.

وفق هذا التصنيف، لا يوجد المغرب ضمن الاقتصادات الأكثر نضجاً في القارة، بل يتموقع في الفئة الثانية إلى جانب تونس ومصر والجزائر وناميبيا، وهي فئة توصف بأنها تمتلك قاعدة مؤسساتية ومواهب بشرية مقبولة، لكنها تعاني من اختلالات واضحة في التمويل وفعالية الشبكات.
في المقابل، تتصدر موريشيوس وجنوب أفريقيا الفئة الأولى، حيث لا يتعلق الأمر فقط بوجود شركات ناشئة، بل بوجود منظومات قادرة على تحويل هذه الشركات إلى فاعلين اقتصاديين ذوي قيمة، مدعومين بأسواق رأسمال نشطة ومسارات خروج واضحة.
هذا الترتيب يضع النقاش المغربي أمام حقيقة أقل راحة: النشاط الريادي لا يعني بالضرورة وجود نظام ريادي فعال. فالمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة عدداً مهماً من البرامج والمبادرات، وارتفعت وتيرة إطلاق المشاريع، لكن ذلك لم يُترجم بعد إلى قدرة منتظمة على إنتاج شركات تنمو بسرعة وتصل إلى مراحل تمويل متقدمة.
أول اختلال بنيوي يكشفه هذا الواقع هو فجوة التمويل، خاصة في المرحلة التي تلي التمويل الأولي. فبينما تحسن المشهد نسبياً على مستوى تمويلات البذرة وما قبلها، تظل مرحلة النمو المبكر الحلقة الأضعف. شركات تتجاوز مرحلة الفكرة والإثبات الأولي، لكنها تجد نفسها عاجزة عن جذب تمويلات أكبر تسمح لها بالتوسع.
هذه “المنطقة الرمادية” تدفع عدداً من الشركات الواعدة إلى البحث عن مستثمرين خارج المغرب، أو إلى نقل جزء من عملياتها إلى أسواق توفر رأس مال أكثر جرأة، ما يعني عملياً فقدان جزء من القيمة المضافة محلياً.
المشكلة لا تتعلق فقط بندرة الموارد، بل بطبيعة الأدوات التمويلية نفسها. السوق لا تزال مهيمنة بمنطق بنكي تقليدي يقوم على الضمانات والأصول، في حين أن الشركات الناشئة تحتاج إلى تمويل مبني على تحمل المخاطر والرهان على النمو المستقبلي.
هذا التباين يجعل جزءاً من التمويل المتاح غير ملائم فعلياً لاحتياجات المقاولات المبتكرة، ويحول دون تشكل سوق حقيقية لرأس المال الجريء.
إلى جانب التمويل، يبرز ضعف آخر لا يقل تأثيراً: محدودية الشبكات والربط الدولي. فرغم وجود عدد متزايد من الحاضنات والمسرعات والبرامج الداعمة، إلا أن كثافتها لا تعني بالضرورة فعاليتها.
النظام يبدو مجزأً، مع روابط محدودة بين الفاعلين، وضعف في الوصول المنظم إلى المستثمرين الدوليين والأسواق الخارجية. النتيجة أن العديد من المشاريع تبقى محصورة محلياً، دون القدرة على الاندماج في سلاسل قيمة أوسع.
البعد الترابي يفاقم هذا الاختلال. إذ يتركز معظم الدعم داخل محور الدار البيضاء–الرباط–القنيطرة، بينما تعاني باقي الجهات من ضعف في الولوج إلى الحاضنات، المستثمرين، والخدمات المواكبة. هذا التمركز يخلق نظاماً غير متوازن، يحد من قدرة الاقتصاد على استثمار كامل طاقاته الريادية عبر التراب الوطني.
ولا يتوقف الأمر عند مراحل التمويل أو التوزيع الجغرافي، بل يمتد إلى نهاية دورة الاستثمار نفسها. سوق الخروج، أو ما يعرف بالـexits، لا تزال محدودة في المغرب. عمليات الاستحواذ الكبرى نادرة، ومسارات الإدراج غير مهيكلة بما يكفي، ما يجعل المستثمرين أكثر حذراً في ضخ أموالهم، خصوصاً في المراحل المتقدمة. في غياب مخارج واضحة، يفقد رأس المال الجريء جزءاً كبيراً من جاذبيته.
ورغم هذه الاختلالات، تشير الأرقام الحديثة إلى تحسن ملموس في حجم التمويلات. فقد ارتفعت الاستثمارات في الشركات الناشئة المغربية بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس بداية تحول في دينامية السوق. غير أن هذا التحسن يكشف في الوقت نفسه مفارقة أساسية: وتيرة الإعلان عن البرامج والاستراتيجيات تفوق سرعة تحولها إلى استثمارات فعلية على الأرض.
في هذا السياق، يبرز دور صندوق محمد السادس للاستثمار كأحد أهم الرهانات المطروحة لمعالجة هذه الاختلالات. الصندوق يهدف إلى سد فجوة التمويل عبر إطلاق صناديق موجهة لمختلف مراحل تطور الشركات الناشئة، من ما قبل البذرة إلى Series A وما بعدها، مع حجم استثماري يناهز 2.5 مليار درهم. كما يعتمد على مقاربة تقوم على تعبئة رأس المال الخاص إلى جانب العمومي، واستقطاب شركات تدبير متخصصة، وتقاسم المخاطر من خلال آليات تحفيزية.
هذا التوجه يعكس محاولة للانتقال من منطق البرامج المتفرقة إلى بناء سوق استثمارية أكثر هيكلة. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تصميم الآلية، بل في تنفيذها. فنجاح هذه المبادرة سيُقاس بقدرتها على خلق تدفق فعلي للصفقات، وتمويل شركات قابلة للنمو، وربطها بمستثمرين دوليين، والأهم من ذلك، خلق مخارج استثمار واضحة تعيد تدوير رأس المال داخل السوق.
وعند توسيع زاوية النظر قارياً، يظهر أن تموقع المغرب ليس استثناءً بقدر ما هو جزء من خريطة إفريقية غير متوازنة. فدول الفئة الأولى، مثل جنوب أفريقيا وموريشيوس، تستفيد من عمق مالي أكبر، وأسواق رأسمال أكثر سيولة، وشبكات دولية متجذرة، ما يمنحها قدرة أعلى على إنتاج شركات قابلة للتوسع والخروج.
في المقابل، تضم الفئة الثالثة أسواقاً نشطة إعلامياً مثل نيجيريا وكينيا وغانا ورواندا والسنغال، حيث النشاط الريادي مرتفع وحجم الصفقات أحياناً أكبر، لكن البنية المؤسسية والتمويلية أقل تماسكاً واستقراراً.
أما الفئة الثانية التي ينتمي إليها المغرب إلى جانب مصر وتونس والجزائر وناميبيا، فتمثل منطقة انتقالية: أنظمة أكثر تنظيماً من حيث المؤسسات، لكنها لم تبلغ بعد مستوى النضج المالي والشبكي الذي يسمح لها بمنافسة القمة القارية بشكل فعلي.
ما يكشفه التقرير في النهاية ليس تأخر المغرب بقدر ما يكشف حدود نموذجه الحالي. البلد نجح في بناء جزء مهم من البنية المؤسسية الداعمة لريادة الأعمال، لكنه لم يحسم بعد معضلة التمويل العميق، ولا مع ضعف الشبكات الدولية، ولا مع محدودية مخارج الاستثمار.
الفارق بين موقعه الحالي والفئة الأولى التي تقودها جنوب أفريقيا وموريشيوس لا يتعلق بعدد المبادرات، بل بقدرة النظام على تحويل هذه المبادرات إلى شركات تنمو، تجذب التمويل، وتحقق عائداً يعاد استثماره داخل الاقتصاد.
وحتى الآن، هذا التحول لا يزال في طور التشكل، أكثر منه واقعاً مستقراً.






