رئيسيةمتابعات

المنافسة المعطّلة.. 37% من الصناعات في المغرب عالقة في أسواق مغلقة والأجور تدفع الكلفة

في قراءة جديدة لمؤشرات التنافسية داخل الاقتصاد المغربي، يضع تقرير “النمو والوظائف في المغرب” الصادر عن البنك الدولي إصبعه على أحد أعقد أعطاب السوق الوطنية: اتساع دائرة الصناعات التي تعمل في بيئة ضعيفة المنافسة، بنسبة بلغت 37% سنة 2020 مقابل 25% فقط قبل عام واحد، في تطور لا يمكن فصله عن صدمة الجائحة لكنه يعكس، في العمق، اختلالات هيكلية أعمق في طريقة تنظيم الأسواق وتوزيع الفرص بين الفاعلين.

المعطيات التي يعرضها التقرير، والمبنية على تحليل دقيق لسلوك الشركات وهيكلة القطاعات، تكشف أن الأمر لا يتعلق بجيوب معزولة، بل بظاهرة تمتد عبر نسيج اقتصادي واسع، حيث تظهر قرابة ثلثي الأنشطة المصنفة ضمن هذه الفئة مستويات تنافسية ضعيفة حتى مقارنة بباقي قطاعات الاقتصاد الوطني، وهو ما يعني أن ضعف الضغط التنافسي أصبح سمة بنيوية في عدد من الأسواق، وليس مجرد استثناء ظرفي.

القطاعات الأكثر وزناً في الاقتصاد هي نفسها الأكثر تعرضاً لهذا الخلل. فالتجارة، التي تمثل نحو ثلث رقم معاملات الشركات، تحتضن نسبة معتبرة من الأنشطة ذات المخاطر التنافسية المرتفعة، فيما يشكل التصنيع، بحوالي 20% من الإيرادات، والبنية التحتية، بنحو 12%، مجالين تتداخل فيهما قيود السوق مع ضعف دينامية المنافسة، في مزيج يحد من الكفاءة ويبطئ تجديد النسيج الإنتاجي.

لكن الأثر الأعمق يظهر على مستوى سوق الشغل. نصف الوظائف في الصناعة وربع الوظائف في التجارة تقع ضمن أنشطة تعاني من منافسة أقل من المتوسط، في وقت يمثل فيه القطاعان معاً حوالي 40% من إجمالي التشغيل. هذه الأرقام لا تعكس فقط اختلالاً في بنية السوق، بل تترجم أيضاً في مسارات مهنية أقل دينامية، حيث ترتبط بيئات المنافسة الضعيفة بوتيرة أبطأ لنمو الأجور، حتى بعد تحييد أثر حجم الشركات وكثافة رأس المال.

بعبارة أخرى، حين تغيب المنافسة، تتراجع الحوافز لرفع الإنتاجية وتقاسم المكاسب مع الأجراء. وهو ما يؤكده التقرير من خلال رصد فجوة واضحة في نمو الأجور بين الصناعات الأكثر انفتاحاً وتلك الأكثر انغلاقاً. في المقابل، لا يظهر نفس الأثر على عدد الوظائف، حيث يبدو أن الاقتصاد يعيد توزيع اليد العاملة نحو شركات أكثر إنتاجية، ما يخفي وراءه تحولات صامتة في جودة التشغيل أكثر مما يعكس تحسناً فعلياً في خلق فرص العمل.

جذور هذا الوضع، كما يبرزها التقرير، تعود بدرجة كبيرة إلى الإطار التنظيمي للأسواق. فالمغرب، رغم الإصلاحات التي راكمها خلال العقدين الأخيرين، لا يزال يسجل مستويات أعلى من القيود التنظيمية مقارنة باقتصادات مماثلة، سواء من حيث شروط الولوج إلى بعض الأنشطة أو من حيث استمرار أوضاع احتكارية أو شبه احتكارية في قطاعات استراتيجية.

في النقل، يظل نشاط السكك الحديدية محتكراً من طرف المكتب الوطني للسكك الحديدية، في غياب فصل واضح بين الوظائف التنظيمية والتشغيلية، بينما يستمر نظام الامتيازات في النقل الطرقي في تقييد دخول فاعلين جدد وإبطاء الابتكار، في وقت لم يستقر فيه بعد الإطار القانوني للنقل التشاركي، الذي يشكل أحد أبرز روافع التحول في هذا القطاع عالمياً.

في الاتصالات، ورغم تعدد الفاعلين ودور الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، يظل النقاش مفتوحاً حول شفافية تدبير موارد استراتيجية مثل الطيف الترددي، وحول الحاجة إلى تقييم دوري للقوة السوقية، بما يضمن توازن المنافسة في سوق تتسارع فيها التحولات التكنولوجية.

أما في الكهرباء، فقد أحرز المغرب تقدماً مؤسسياً مع إحداث الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء وفتح المجال تدريجياً أمام الطاقات المتجددة، غير أن بناء سوق كهرباء تنافسي لا يزال رهيناً بإصلاحات أعمق، تشمل فصل الأنشطة، وضمان الولوج العادل إلى الشبكة، وتطوير آليات تسعير أكثر شفافية.

ولا تقف القيود عند حدود القطاعات الكبرى، بل تمتد أيضاً إلى الخدمات المهنية، حيث تحد قواعد الولوج والممارسة في مهن مثل المحاماة والتوثيق من شدة المنافسة، وهو ما دفع مجلس المنافسة إلى التدخل في مناسبات سابقة لمعاقبة ممارسات تتعلق بتحديد الأسعار أو تقييد السوق.

في الخلفية، يبرز الاقتصاد الرقمي كجبهة جديدة للتحدي. فالتقرير يسجل تأخراً نسبياً في تكييف أدوات المنافسة مع منطق المنصات الرقمية، حيث تفرض آثار الشبكة وهيمنة البيانات قواعد لعبة مختلفة، تتطلب تنظيماً استباقياً أكثر من اعتماد مقاربات تقليدية.

الخلاصة التي يفرضها هذا التشخيص واضحة في عمقها: الصناعات الأكثر تقييداً هي نفسها الأقل تنافسية. مؤشر تقييد الأسواق يبلغ مستويات أعلى بشكل ملحوظ داخل هذه القطاعات، ما يعيد طرح سؤال الإصلاح التنظيمي كمدخل مركزي لتحرير الطاقات الإنتاجية، ليس فقط لتحسين مناخ الأعمال، بل أيضاً لإعادة توزيع ثمار النمو بشكل أكثر توازناً، عبر إنتاجية أعلى، وأجور أكثر دينامية، واقتصاد أكثر قدرة على خلق القيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى