
كشفت دراسة تقنية حديثة أن مشروع النفق القاري المزمع إنشاؤه تحت مضيق جبل طارق لن يكون جاهزا قبل عام 2035 على أقرب تقدير، ما يستبعد عمليا إمكانية دخوله الخدمة بالتزامن مع نهائيات كأس العالم 2030 التي ستحتضنها كل من المغرب وإسبانيا والبرتغال.
وأظهرت الدراسة، التي أنجزتها شركة Herrenknecht الألمانية المتخصصة في تقنيات الحفر لفائدة الشركة الإسبانية المكلفة بمشروع الربط الثابت عبر المضيق SECEGSA، أن المشروع يظل قابلا للتنفيذ من الناحية الهندسية، غير أنه يواجه تحديات جيولوجية معقدة تتطلب مزيدا من الدراسات والأبحاث الميدانية قبل الانتقال إلى مرحلة الإنجاز الفعلي.
وبحسب المعطيات التقنية، ترتبط أبرز الصعوبات بطبيعة التكوينات الصخرية الموجودة في قاع مضيق جبل طارق، والتي تفرض اعتماد حلول هندسية متقدمة وتقنيات حفر خاصة قادرة على التعامل مع ظروف جيولوجية استثنائية، ما يفسر تمديد الجدول الزمني للمشروع لعدة سنوات إضافية.
ويعيد هذا التطور ترتيب التوقعات المرتبطة بأحد أكثر مشاريع البنية التحتية طموحا في حوض البحر الأبيض المتوسط، بعدما كانت بعض التقديرات السابقة تراهن على إمكانية تسريع وتيرة الأشغال للاستفادة من الزخم الذي ستوفره استضافة كأس العالم 2030. غير أن النتائج التقنية الأخيرة تشير إلى أن المشروع لا يزال في مرحلة تتطلب استكمال الدراسات الاستكشافية وتدقيق مختلف الجوانب المرتبطة بالتنفيذ.
ورغم هذا التأخير المحتمل، يحتفظ المشروع بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للمغرب وإسبانيا على حد سواء، بالنظر إلى ما يمكن أن يوفره من تحول نوعي في حركة التنقل والتبادل التجاري بين القارتين. فالنفق المرتقب من شأنه أن يشكل أول ربط بري مباشر بين إفريقيا وأوروبا عبر شبكة سككية، بما يفتح آفاقا جديدة أمام حركة المسافرين والبضائع ويعزز التكامل الاقتصادي واللوجستي بين ضفتي المتوسط.
كما يتوقع أن يسهم المشروع، عند اكتماله، في تعزيز موقع المغرب كمحور لوجستي إقليمي وبوابة رئيسية نحو الأسواق الإفريقية، مستفيدا من البنية التحتية التي طورها خلال السنوات الأخيرة في مجالات الموانئ والطرق والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية.
وعلى المستوى المالي، تشير التقديرات الأولية إلى أن تكلفة الجزء الإسباني من المشروع تتجاوز 8.5 مليارات يورو، في حين يرجح أن ترتفع الكلفة الإجمالية مع تقدم الدراسات التفصيلية وتحديد المتطلبات التقنية النهائية. ومن المنتظر أن يعتمد تمويل المشروع على مساهمات حكومية وأوروبية، إلى جانب آليات تمويل طويلة الأجل تستند إلى العوائد الاقتصادية واللوجستية المنتظرة من هذا الربط القاري غير المسبوق.
وبينما يبدو أن حلم الربط المباشر بين إفريقيا وأوروبا سيحتاج إلى سنوات إضافية قبل أن يصبح واقعا، فإن الدراسة تؤكد في المقابل أن المشروع ما زال يحظى باهتمام استراتيجي كبير من الجانبين المغربي والإسباني، باعتباره أحد أكبر مشاريع البنية التحتية العابرة للقارات خلال العقود المقبلة.






