في انتقال جديد داخل دوائر القرار الاقتصادي بالمغرب، أسفرت الانتخابات داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب عن قيادة جديدة ستقود الباطرونا خلال الفترة 2026-2029، حيث تم انتخاب المهدي التازي رئيسا، إلى جانب محمد بشيري نائبا عاما للرئيس، وذلك خلال الجمع العام الانتخابي المنعقد يوم 14 ماي بالدار البيضاء.
النتيجة لم تكن مفاجئة من حيث الحسابات الرقمية، لكنها حملت دلالات سياسية واقتصادية أعمق من مجرد أرقام. فقد حصل الثنائي على 3.773 صوتا من أصل 4.123، بنسبة تقارب 91%، في مؤشر واضح على اصطفاف واسع داخل الجسم الاقتصادي حول خيار الاستمرارية بدل القطيعة، في ظرفية تتسم بتسارع التحولات الاقتصادية، وضغط المنافسة الدولية، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية بشكل متسارع.
هذا الدعم الواسع يعكس أيضا نوعا من “البراغماتية الاقتصادية” داخل الباطرونا، حيث يفضّل الفاعلون الاقتصاديون الاستقرار المؤسساتي وتفادي الدخول في مرحلة اهتزاز تنظيمي قد تضعف موقع المقاولة المغربية في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.
التركيبة الجديدة للقيادة لا تبدو تقنية أو تنظيمية فقط، بل تحمل في عمقها رسالة توازن محسوبة بين المالي والصناعي. فالمهدي التازي القادم من عالم التأمين والخدمات المالية والتسيير، يحمل معه رؤية تركز على تطوير بيئة الأعمال، تحسين الحكامة الاقتصادية، وتحديث آليات اشتغال المؤسسة التمثيلية للقطاع الخاص.
في المقابل، يمثل محمد بشيري امتدادا صناعيا مباشرا لإحدى أهم تجارب الصناعة المغربية الحديثة، المرتبطة بقطاع السيارات وبالمنظومة الصناعية المتطورة حول رونو-نيسان في طنجة، ما يمنح القيادة الجديدة بُعدا إنتاجيا عمليا مرتبطا مباشرة بالتحول الصناعي الذي يعرفه المغرب.
هذا التزاوج بين الخلفية المالية والخبرة الصناعية ليس تفصيلا داخليا، بل يعكس بوضوح اتجاه الباطرونا نحو مرحلة جديدة عنوانها “الفعالية الاقتصادية” بدل الدور التقليدي القائم على الترافع فقط. فالمؤشرات المرافقة للانتخابات والبرنامج المعلن قبلها تشير إلى رغبة واضحة في تحويل الباطرونا من هيئة اقتراح وضغط إلى فاعل اقتصادي يواكب التنفيذ ويؤثر في صياغة السياسات العمومية بشكل مباشر.
أولويات المرحلة المقبلة، كما تبرز من الخطاب العام، تتمحور حول تحسين مناخ الأعمال، تقوية السيادة الإنتاجية، دعم الابتكار، وتعزيز حضور المقاولة المغربية في الأسواق الدولية. وهي عناوين لا تأتي في فراغ، بل تعكس تحولات أعمق يعيشها الاقتصاد المغربي نحو نموذج أكثر تنافسية، قائم على التصنيع والتصدير وإعادة تموقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية.
في العمق، تحمل هذه الانتخابات أيضا رسالة ثقة داخلية في استمرارية المؤسسة التمثيلية للقطاع الخاص، في وقت يواجه فيه الاقتصاد المغربي تحديات مركبة: ارتفاع التنافسية العالمية، إعادة توزيع الاستثمارات الصناعية بين مناطق جذب جديدة، والضغط المتزايد على سلاسل الإمداد التي أصبحت أكثر هشاشة وتقلبا.
بمعنى آخر، القيادة الجديدة لا تبدأ من نقطة الصفر، بل تدخل مرحلة إعادة ضبط الإيقاع الاقتصادي داخل الباطرونا: كيف يحافظ المغرب على جاذبيته الاستثمارية، كيف يعزز قدرته الصناعية، وكيف يثبت موقعه داخل اقتصاد عالمي لم يعد يمنح امتيازات طويلة الأمد لأي نموذج غير متجدد.
في هذا السياق، تبدو CGEM أمام اختبار عملي أكثر منه مؤسساتي: تحويل الشعارات الكبرى إلى نتائج ملموسة داخل النسيج الاقتصادي، في مرحلة تقل فيها هوامش الخطأ، وتتسع فيها رقعة المنافسة من الإقليم إلى المستوى العالمي.
ماذا تمثل نسبة 9% الرافضة داخل الباطرونا؟
لكن مع ذلك تثير نسبة 9% التي لم تصوت للثنائي مجموعة من التساؤلات، فهي بدورها تحمل دلالات سياسية-مؤسساتية لا يمكن قراءتها فقط كمعارضة أو انقسام داخل المنظمة. ففي واقع تنظيمات رجال الأعمال، غالبا ما تكون هذه النسبة جزءا من “الهامش الطبيعي” للاختلاف وليس مؤشرا على تصدع.
جزء من هذا التصويت يمكن تفسيره باعتباره احتفاظا رمزيا بالمسافة، حيث يفضّل بعض الأعضاء عدم منح إجماع مطلق للقيادة، حتى في لحظات الاصطفاف الواسع، بهدف الحفاظ على توازن داخلي داخل المؤسسة.
جزء آخر يعكس ببساطة تعدد المصالح داخل الجسم الاقتصادي المغربي، حيث تضم CGEM مقاولات تنتمي لقطاعات مختلفة: الصناعة، الخدمات، البناء، التكنولوجيا والتوزيع. هذا التنوع يخلق بطبيعة الحال اختلافات في ترتيب الأولويات: بين من يرى أن الرهان يجب أن يكون على الصناعة الثقيلة، ومن يركز على الخدمات الرقمية، ومن يدفع نحو تخفيف العبء الجبائي أو تسريع الإصلاحات التنظيمية.
كما يمكن قراءة هذه النسبة أيضا كتصويت “احتياطي مؤسسي”، يعبّر عن قناعة ضمنية بأن أي قيادة، مهما كانت قوية أو متوافق حولها، تحتاج دائما إلى درجة من التوازن الداخلي وعدم الوصول إلى الإجماع المطلق، باعتباره وضعا غير صحي في منظمات بهذا الحجم.
ولا يمكن استبعاد وجود تحفظات مهنية أو شخصية محدودة، غير منظمة وغير معلنة، تجاه بعض التوجهات أو الخيارات، لكنها تبقى في إطار فردي ولا ترقى إلى مستوى معارضة داخلية.
في المحصلة، لا تشكل نسبة 9% عنوانا للانقسام بقدر ما تعكس طبيعة التنظيم نفسه: فضاء تعددي تتجاور فيه المصالح والرؤى، بينما تبقى الإشارة الأهم هي 91% من الدعم، التي تمنح القيادة الجديدة تفويضا واسعا لمواجهة مرحلة دقيقة عنوانها الحقيقي ليس إدارة الباطرونا فقط، بل إعادة تموقع الاقتصاد المغربي داخل عالم يتغير بوتيرة أسرع من أدوات التكيف التقليدية.







