
حذر تقرير حديث صادر عن البنك الدولي من اتساع الفجوة الرقمية والتنموية بين الاقتصادات المتقدمة والدول النامية بفعل التسارع الكبير الذي يشهده مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن هيمنة الدول الغنية على البنية التحتية والتمويل والكفاءات قد تجعل من هذه التكنولوجيا عاملا جديدا لتعميق عدم المساواة عالميا.
وأوضح تقرير “التقدم والاتجاهات الرقمية 2025: تعزيز أسس الذكاء الاصطناعي” أن الدول ذات الدخل المرتفع تستحوذ على 87 بالمئة من نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة في العالم، إلى جانب 86 بالمئة من الشركات الناشئة المتخصصة في هذا القطاع، فيما استأثرت بـ91 بالمئة من تمويلات رأس المال المخاطر الموجهة لهذا المجال إلى غاية يوليوز 2025.
وربط التقرير قدرة الدول على الاستفادة من التحول الذي يقوده الذكاء الاصطناعي بأربعة محاور أساسية وصفها بـ”الأعمدة الأربعة”، وتشمل البنية التحتية الرقمية، والقدرة الحاسوبية، وتوفر البيانات والنماذج المحلية، إضافة إلى المهارات والكفاءات الرقمية.
وسجل المصدر ذاته اتساع الفجوة في استهلاك البيانات وجودة الاتصال بالإنترنت، حيث بلغ متوسط استهلاك الفرد من البيانات نحو 1400 جيجابايت سنويا في الدول الغنية خلال 2023، مقابل 100 جيجابايت فقط في الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، و5 جيجابايت في الدول منخفضة الدخل، في مؤشر على التفاوت الكبير في الولوج إلى الخدمات الرقمية.
كما أبرز التقرير استمرار هيمنة الولايات المتحدة على سوق القدرة الحاسوبية عالميا، إذ تستضيف نصف خوادم الإنترنت الآمنة في العالم، فيما تفوق قدرتها الحاسوبية للفرد نظيرتها في الدول متوسطة الدخل بـ200 مرة، وتصل إلى 20 ألف مرة مقارنة بالدول منخفضة الدخل. وتستحوذ الاقتصادات المتقدمة مجتمعة على 77 بالمئة من سعة مراكز البيانات العالمية.
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، أشار التقرير إلى أن أقل من 5 بالمئة من سكان الدول منخفضة الدخل يمتلكون مهارات رقمية أساسية، في وقت تواجه فيه العديد من الاقتصادات الناشئة تحديات مرتبطة بنقص الكفاءات وهجرة الأدمغة.
وسلط التقرير الضوء على استمرار نزيف المواهب الرقمية في عدد من الدول، من بينها المغرب ونيجيريا وبنغلاديش وأوكرانيا، حيث تفوق تدفقات الكفاءات نحو الخارج التدفقات الوافدة بما يتراوح بين مرتين وأربع مرات، وهو ما يحد من قدرة هذه الدول على تطوير حلول ذكاء اصطناعي محلية.
ورغم هذه التحديات، سجل التقرير بعض المؤشرات الإيجابية في الدول النامية، إذ أشار إلى أن المغرب حقق نموا بنسبة 27 بالمئة في صادرات سلع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما تم إدراجه ضمن قائمة أفضل 500 حاسوب فائق الأداء عالميا لسنة 2025، بما يعكس جهودا متواصلة لتعزيز البنية التحتية الرقمية.
وأكد التقرير أن الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل ChatGPT، الذي تجاوز عدد مستخدميه نصف مليار شخص، لا يعني بالضرورة استفادة متساوية بين الدول، إذ لا تزال وتيرة اعتماد هذه التقنيات داخل الشركات والإدارات العمومية في الدول النامية محدودة نسبيا.
وفي المقابل، اعتبر البنك الدولي أن ما يعرف بـ”الذكاء الاصطناعي الصغير” منخفض التكلفة والمصمم للاستخدام على الأجهزة اليومية يمثل فرصة عملية للدول النامية لتحقيق مكاسب سريعة في مجالات الإنتاجية والخدمات.
وخلص التقرير إلى أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والقدرات الحاسوبية وتطوير الكفاءات المحلية أصبح خيارا استراتيجيا للدول النامية، ليس فقط للحاق بثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضا لتسريع التحول الرقمي وتعزيز التنافسية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.






