تحقيقاترئيسية

رجال أعمال مغاربة في قلب فضيحة تأشيرات تهز الدبلوماسية التشيكية

تحولت سفارة جمهورية التشيك بالرباط، خلال السنوات الأخيرة، إلى محور واحد من أكثر ملفات الاتجار بالتأشيرات إثارة داخل الأوساط الدبلوماسية الأوروبية، بعدما كشفت تحقيقات صحافية دولية عن شبكة معقدة تجمع بين وسطاء، ودبلوماسيين تشيك، ورجال أعمال مغاربة، وصولا إلى محيط رئيس الوزراء التشيكي السابق Andrej Babiš.

التحقيق الذي نشرته منصة Blast الفرنسية، بتعاون مع الصحافي الاستقصائي التشيكي يانيك كروبا، الذي يشتغل بجريدة Seznam Zprávy التشيكية، يروي بالتفصيل كيف تحولت تأشيرات شنغن الصادرة من الرباط إلى أداة نفوذ ووساطة ووعود بالهجرة نحو أوروبا، وسط اتهامات بالفساد واستغلال العلاقات السياسية والاقتصادية بين المغرب والتشيك.

استفاد رئيس الوزراء التشيكي ومالك مجموعة Agrofert، أندريه بابيش، من برنامج خاص خلال زيارته الرسمية إلى المغرب، وقد جرى تنظيم هذا البرنامج من طرف رجل الأعمال المغربي أحمد باحدو (في الوسط).
استفاد رئيس الوزراء التشيكي ومالك مجموعة Agrofert، أندريه بابيش، من برنامج خاص خلال زيارته الرسمية إلى المغرب، وقد جرى تنظيم هذا البرنامج من طرف رجل الأعمال المغربي أحمد باحدو (في الوسط).

بداية القصة تعود إلى أكتوبر 2018، حين التحقت الدبلوماسية التشيكية يانا شالوبكوفا بمنصب قنصلة في الرباط. كانت دبلوماسية مخضرمة، تتحدث أكثر من عشر لغات، وسبق أن اشتغلت في آسيا وأمريكا اللاتينية، وتحظى بسمعة قوية داخل الخارجية التشيكية. لكن أسابيع قليلة بعد وصولها إلى المغرب كانت كافية لتدرك أن شيئا غير طبيعي يجري داخل السفارة.

لفت انتباهها رجل يدخل ويخرج من مقر السفارة بحرية شبه مطلقة، دون احترام للإجراءات الدبلوماسية المعتادة. كان اسمه أحمد باحدو، فرنسي مغربي ينحدر من منطقة تنغير، ويحظى بعلاقة مباشرة مع السفير التشيكي في الرباط فيكتور لورينس. لم يكن مجرد زائر عادي، بل كان يتحرك داخل السفارة بثقة شخص يعرف أن الأبواب مفتوحة أمامه.

المنعطف الحقيقي جاء في فبراير 2019، عندما وصلت إلى مكتب القنصلة ملفات مغاربة يطلبون تأشيرات سياحية نحو التشيك، رغم أن ملفاتهم لا تستجيب لأي من شروط الحصول على تأشيرة شنغن. المرشحون ينحدرون من مناطق فقيرة، لا يملكون حسابات بنكية أو وظائف مستقرة، وبعضهم لا يعرف القراءة والكتابة. كما أن الاستمارات كانت معبأة بخط شخص آخر، فيما تكفل شخص مجهول بالحجز الفندقي والضمان المالي.

وحين دققت يانا في الوثائق، اكتشفت أن الضامن المالي هو أحمد باحدو نفسه.

بحسب التحقيق، لم يكن الأمر يتعلق بحالات معزولة، بل بنمط متكرر. مرشحون ضعفاء، سبق أن رفضتهم سفارات أوروبية أخرى، يعاد تقديم ملفاتهم عبر القنصلية التشيكية، على أمل المرور نحو فضاء شنغن. وكانت الوجهة الحقيقية، في أغلب الحالات، هي فرنسا وليس براغ.

في إحدى المقابلات، سأل موظفو القنصلية أحد المرشحين عن وجهته، فأجاب مباشرة: فرنسا. وآخر تحدث بحماس عن ركوب القطار فائق السرعة TGV بعد وصوله إلى براغ، رغم أن هذا النوع من القطارات غير موجود أصلا في التشيك. بالنسبة ليانا، كانت الصورة واضحة: هناك عملية منظمة لتمرير مهاجرين غير نظاميين نحو أوروبا تحت غطاء التأشيرات السياحية.

لكن ما أثار صدمتها أكثر كان رد فعل السفير التشيكي. فعندما واجهته بالمخاوف المرتبطة بهذه الملفات، لم ينف المشكلة، بل اكتفى بالقول إنه سيطلب من باحدو جلب ملفات أفضل في المستقبل، أي مرشحين لم يسبق رفضهم من سفارات أوروبية أخرى.

من هنا بدأت القنصلة التشيكية تدرك أنها أمام شبكة أوسع من مجرد وسيط تأشيرات.

أحمد باحدو
أحمد باحدو الذي يتهمه التحقيق بالتوسط في ملف التأشيرات بالسفارة التشيكية

أحمد باحدو، الذي يقدم نفسه باعتباره سوسيولوجيا ومستثمرا ومستشار أعمال، راكم على مدى سنوات صورة رجل العلاقات والنفوذ. ولد قرب تنغير، قبل أن يكبر في فرنسا، حيث نسج علاقات مع شخصيات سياسية واقتصادية. وعلى حسابه في لينكدإن، يتحدث عن دراسات في السوربون ومدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، كما سبق أن خاض تجربة سياسية قصيرة في فرنسا.

لكن التحقيق يكشف أن نفوذه الحقيقي كان يتجاوز مجرد العلاقات العامة. فبحسب شهادات ووثائق اطلع عليها الصحافيون، كان باحدو يقدم نفسه أحيانا كمستشار مقرب من الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، وهي الرواية التي نفاها بشكل قاطع عدد من المقربين من ساركوزي، من بينهم شقيقه غيوم ساركوزي وكلود غيان وبريس أورتوفو.

ورغم ذلك، ظل الرجل قادرا على فتح أبواب داخل الدبلوماسية التشيكية، مستفيدا من شبكة علاقات اقتصادية وسياسية متشعبة.

التحقيق يكشف أيضا أن أحمد باحدو لم يكن يتحرك فقط في ملف التأشيرات، بل لعب دور الوسيط الاقتصادي خلال زيارة رئيس الوزراء التشيكي السابق أندريه بابيش إلى المغرب في دجنبر 2018. الزيارة التي قدمت حينها باعتبارها محطة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، تضمنت لقاءات خاصة مع رجال أعمال مغاربة كبار.

ومن بين الأسماء التي وردت في التحقيق، رجل الأعمال المغربي كريم شيوار، الرئيس المدير العام المنتدب لمجموعة “هولماركوم” Holmarcom، الذي أكد أن أحمد باحدو هو من نسق له لقاء مع بابيش في الرباط. وبحسب شيوار، فقد كان باحدو يتواصل مع كبار الفاعلين الاقتصاديين المغاربة لمعرفة من يرغب في لقاء الوفد التشيكي، مضيفا أن الاجتماع ناقش فرصا تجارية في القطاع الزراعي والغذائي.

وهنا تحديدا يبدأ الجانب الأكثر حساسية في الملف.

فمجموعة Agrofert، التي يملكها بابيش، تنشط أساسا في الصناعات الغذائية والزراعية، ما يطرح تساؤلات حول احتمال توظيف الزيارة الرسمية لخدمة مصالح اقتصادية خاصة.

التحقيق يورد كذلك اسم المهدي لعلج، نجل رجل الأعمال المغربي سعيد لعلج، والذي يشغل منصب المدير العام لمجموعة “سنام أكَرو” SANAM AGRO، حيث زعم أحمد باحدو، في تسجيلات مصورة، أن لقاءات جرت بين شركات مغربية ومسؤولين من شركة Animalco التابعة لمجموعة Agrofert، وأن اتفاقات تم توقيعها بالفعل. المهدي لعلج نفى توقيع أي عقود، لكنه لم ينف حصول لقاءات مع بابيش.

بالنسبة للصحافيين الذين اشتغلوا على التحقيق، فإن القضية تتجاوز مجرد شبهات فساد إداري داخل سفارة، لتلامس إشكالية تضارب المصالح بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية الخاصة.

وفي الخلفية، كانت القنصلة يانا شالوبكوفا تحاول جمع الأدلة.

خلال سنة 2019، بدأت تسجل سرا اجتماعاتها ومحادثاتها مع السفير فيكتور لورينس. التسجيلات، بحسب التحقيق، تظهر السفير وهو يناقش ملفات التأشيرات المثيرة للشكوك دون أي إنكار، بل يقترح بنفسه توقيع بعض الطلبات المرفوضة.

وفي إحدى المحادثات، قالت له يانا: إذا كان صحيحا أن باحدو يحصل على أربعة آلاف أورو عن كل تأشيرة، فلن يتركنا وشأننا. فأجاب السفير: طبعا لن يتركنا.

بالنسبة ليانا، كان ذلك بمثابة اعتراف ضمني بوجود شبكة منظمة.

السفير التشيكي في المغرب Viktor Lorenc
السفير التشيكي في المغرب Viktor Lorenc في صورة التقطتها القنصلة خلال جلسة مواجهة بينهما

السفير نفسه كان يرى في باحدو أكثر من مجرد وسيط تأشيرات. ففي تسجيل آخر، قال إنه يقوم باللوبيينغ لصالح شركة Zetor التشيكية المتخصصة في المعدات الزراعية، وأنه بفضله تم ترتيب لقاءات مهمة خلال زيارة بابيش إلى المغرب.

غير أن تحرك القنصلة داخل وزارة الخارجية التشيكية لم يسر كما كانت تتوقع.

فبعد تصاعد التوتر بينها وبين السفير، تم فتح تحقيق إداري في الرباط. لكن التحقيق، بحسب روايتها، ركز على الجوانب الإجرائية ولم يهتم فعليا بشبهات الفساد أو الاتجار بالبشر. ولم تتم مواجهة السفير بالقنصلة، كما لم يستدع أحمد باحدو للإدلاء بأقواله.

وفي أكتوبر 2019، قررت يانا مراسلة رئيس الوزراء التشيكي مباشرة لتحذيره من استغلال اسمه في ملف التأشيرات. وبعد أيام، تلقت منه اتصالا هاتفيا غاضبا، نفى خلاله معرفته بباحدو، قبل أن يغلق الخط في وجهها، وفق روايتها.

بعد أسابيع فقط، تم إعفاؤها من مهامها الدبلوماسية قبل انتهاء ولايتها.

ما حدث بعد ذلك داخل الخارجية التشيكية أثار بدوره الكثير من علامات الاستفهام. فعدد من المسؤولين الذين وردت أسماؤهم في الملف حصلوا لاحقا على ترقيات ومناصب دبلوماسية بالخارج، فيما دخلت يانا في دوامة من التهميش الإداري والنزاعات القضائية.

وفي سنة 2025، قضت محكمة تشيكية بعدم قانونية إنهاء مهامها، معتبرة أن القرار الإداري الذي استندت إليه الخارجية لم يكن سليما. ومع ذلك، ما تزال تخوض معركة قانونية للاعتراف بها كمبلغة عن الفساد.

أما أحمد باحدو، فقد استمر في نفي الاتهامات الموجهة إليه. وخلال اتصال مع منصة Blast سنة 2025، أكد أنه لعب دورا أساسيا في تنظيم زيارة بابيش إلى المغرب، وأنه ساهم في تطوير العلاقات الاقتصادية بين الرباط وبراغ. لكنه نفى حصوله على أموال مقابل التأشيرات، رغم اعتراف عدد من المغاربة، الذين تحدثوا للصحافيين، بأنهم دفعوا له مبالغ وصلت إلى 80 ألف درهم مقابل وعود بالحصول على تأشيرات شنغن.

التحقيق يكشف أيضا أن عددا من الضحايا لم يسترجعوا أموالهم بعد رفض الملفات، فيما وصفه بعض أبناء منطقة تنغير بأنه معروف محليا بعمليات النصب المرتبطة بالتأشيرات.

وفي تطور لافت، اكتشف الصحافيون لاحقا أن باحدو كان معتقلا بسجن سلا بسبب قضية شيك بدون رصيد بقيمة 150 ألف درهم. وقد صدر في حقه حكم بالسجن ستة أشهر وغرامة مالية، قبل مغادرته السجن بعد تسوية الملف.

ورغم كل المعطيات التي كشفها التحقيق، لا تزال أسئلة كثيرة دون أجوبة واضحة: هل كانت شبكة التأشيرات مجرد مبادرة فردية داخل السفارة التشيكية؟ أم أنها كانت جزءا من منظومة أوسع تجمع المصالح الاقتصادية بالوساطات السياسية والهجرة السرية؟

الأكيد أن القضية كشفت، مرة أخرى، كيف يمكن لتأشيرة شنغن أن تتحول من وثيقة سفر إلى أداة نفوذ ومصدر أرباح في تقاطع معقد بين السياسة والأعمال والهجرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى