
قد يبدو السؤال قاسياً، لكنه لم يأتِ من فراغ. فعندما يؤكد رياض مزور، داخل البرلمان، أن إنشاء مقاولة ممكن في ثلاثة أيام، فإنه ينطلق من منطق إداري نظري: مساطر رقمية، منصات موحدة، وآجال محسوبة على الورق.
لكن خارج هذا الإطار “المثالي”، يبرز واقع مختلف يعرفه المقاولون جيداً—واقع لا تُختصر فيه الرحلة في 72 ساعة، بل تمتد غالباً لأيام إضافية، وأحياناً لأسابيع.
هنا تحديداً جاء رد سلوى الدمناتي، النائبة عن حزب الاتحاد الاشتراكي، حاداً ومباشراً، ليس فقط للتشكيك في الرقم، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها. فالتجربة اليومية للمقاولين تقول شيئاً مختلفاً: صحيح أن بعض الخطوات الأولية أصبحت أسرع، لكن المسار الكامل لإنشاء مقاولة—من التسجيل إلى الحصول على الوثائق والانطلاق الفعلي—لا يزال يصطدم بتعقيدات إدارية، وتأخيرات، وأعطاب تقنية، وأحياناً بعودة الوثائق الورقية رغم خطاب الرقمنة.
المشكلة إذن ليست في “إمكانية” تحقيق ثلاثة أيام، بل في واقعيتها. عملياً، هذا السيناريو يكاد يكون استثناءً لا قاعدة. فهو ممكن فقط إذا توفرت شروط مثالية نادراً ما تجتمع: ملف كامل دون نقص، منصة تعمل دون أعطاب، إدارة متجاوبة في كل المراحل، ونشاط لا يتطلب تراخيص معقدة.
خارج هذا الإطار، تتحول الأيام الثلاثة إلى رقم بعيد عن التجربة الفعلية لغالبية المقاولين. من هنا، يصبح سؤال “هل يكذب الوزير؟” أقل أهمية من سؤال آخر: هل يعكس هذا الرقم ما يعيشه الناس فعلاً؟
المقاولون أنفسهم، وهم المعنيون مباشرة بهذه المساطر، لا يتحدثون عن تجربة تُقاس بالأيام، بل عن مسار غير متوقع الزمن. فالتأخيرات لا تأتي دائماً من تعقيد قانوني صريح، بل من تفاصيل صغيرة متكررة: منصة رقمية تتعطل في لحظة حاسمة، وثيقة تُرفض بسبب صيغة أو خطأ بسيط، إدارة تطلب استكمال ملف رغم أنه قُدم رقمياً، أو تداخل في الاختصاصات يفرض إعادة الخطوة نفسها أكثر من مرة. هذه الاحتكاكات اليومية لا تظهر في المؤشرات، لكنها هي التي تحدد الزمن الحقيقي لإنشاء المقاولة.
الأهم أن هذا الرقم يفترض ضمنياً أن كل المشاريع متشابهة، وهو افتراض غير دقيق. فكلما كان النشاط منظماً أو خاضعاً لترخيص (مطعم، عيادة، نشاط صناعي، تجارة مقننة…)، دخلت مساطر إضافية تُخرج العملية من منطق “الإنشاء السريع”. هنا لا يعود الحديث عن ثلاثة أيام ممكناً حتى نظرياً، لأن الزمن لم يعد إدارياً فقط، بل تنظيمياً ورقابياً أيضاً. بعبارة أخرى: يمكن إنشاء شركة على الورق بسرعة، لكن لا يمكن تشغيلها فعلياً بالوتيرة نفسها.
دعوة النائبة للوزير إلى “النزول إلى الميدان” لم تكن مجرد مزايدة سياسية، بل تعبير عن هذه الفجوة. فالميدان هنا ليس شعاراً، بل اختبار عملي لأي إصلاح. هناك فقط يتضح أن إنشاء مقاولة لا يُقاس بسرعة إدخال البيانات في منصة، بل بقدرة المقاول على تجاوز كل الحواجز إلى أن يبدأ نشاطه فعلياً.
في النهاية، قد لا يكون الوزير كاذباً بالمعنى المباشر، لكنه يقدّم صورة غير مكتملة. والاقتصاد لا يُبنى على أنصاف الحقائق، بل على تطابق الخطاب مع الواقع. إلى أن يحدث ذلك، سيظل رقم “ثلاثة أيام” أقرب إلى وعد إداري جميل… منه إلى حقيقة يعيشها المقاول المغربي يومياً.






