
خلال الدورة الثامنة عشرة من المعرض الدولي للفلاحة (SIAM 2026)، لم يكن حضور مؤسسة فوسبوكراع مجرد مشاركة مؤسساتية ضمن أجندة المعرض، بل جاء كإعلان واضح عن نموذج تنموي جديد يربط بين البحث العلمي الترابي والسيادة الغذائية، ويضع الأقاليم الجنوبية للمملكة في قلب التحولات الزراعية والاقتصادية المقبلة.
ففي وقت تتصاعد فيه تحديات الجفاف وندرة الموارد وارتفاع كلفة الإنتاج الحيواني، اختارت المؤسسة أن تقدم رؤية مختلفة تنطلق من خصوصيات الصحراء المغربية، وتراهن على الإبل باعتبارها مورداً استراتيجياً يمكن أن يتحول من رمز تراثي إلى رافعة اقتصادية وبيوتكنولوجية ذات قيمة مضافة عالية.
المعرض، الذي احتضنته مدينة مكناس تحت شعار “استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية”، شكل منصة مثالية لعرض هذا التوجه، خاصة في ظل النقاش الوطني المتزايد حول الأمن الغذائي وضرورة بناء نماذج إنتاج محلية أكثر قدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية. ومن هذا المنطلق، شددت فوسبوكراع على أن السيادة الغذائية لا تُبنى عبر استيراد حلول جاهزة من الخارج، بل عبر تطوير نماذج علمية مرتبطة بالخصوصيات الترابية لكل منطقة، تستجيب لحاجيات الساكنة المحلية وتُختبر في الظروف الواقعية، بما يجعلها قابلة للاستدامة والقياس.
في قلب هذه المقاربة، تبرز سلسلة الإبل كأحد أهم الرهانات الاستراتيجية. فالإبل، التي ظلت لعقود مرتبطة بالبعد الثقافي والاجتماعي في الصحراء، أصبحت اليوم محوراً لبحث علمي متقدم داخل المؤسسة، نظراً لقدرتها العالية على التأقلم مع البيئات الجافة واستغلال الموارد العلفية المحدودة، إلى جانب القيمة الغذائية الكبيرة التي يوفرها حليبها. هذا المورد التقليدي تحول إلى موضوع ابتكار حقيقي، بعدما تمكن الباحثون من عزل وتوصيف جزيئات حيوية من حليب الإبل وسمانها بدرجات نقاء مرتفعة، ما فتح المجال أمام تطوير تطبيقات واعدة في مجالات البيوتكنولوجيا والتجميل الطبي والصناعات ذات القيمة العالية.
هذا التحول من منتج محلي بسيط إلى مادة أولية قابلة للتثمين الصناعي يعكس فلسفة المؤسسة في تحويل الموارد الطبيعية الصحراوية إلى سلاسل قيمة اقتصادية جديدة، قادرة على خلق فرص شغل مستدامة، وتحفيز الاستثمار المحلي، وتوسيع آفاق التصدير. فبدل الاكتفاء بالإنتاج الخام، يتم الاشتغال على بناء منظومة متكاملة تربط بين البحث العلمي، والتصنيع، وريادة الأعمال، بما يسمح بإعادة تعريف الاقتصاد المحلي في الأقاليم الجنوبية بعيداً عن النماذج التقليدية المحدودة الأثر.
وفي هذا السياق، عززت المؤسسة شراكاتها مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، من أجل تطوير حلول مرتبطة بتأمين الأعلاف الملائمة للبيئات القاحلة والمالحة، وتحسين استقرار السلسلة الإبلية، وتقليص هشاشة المربين أمام الجفاف وتقلبات المناخ. كما تم خلال فعاليات المعرض تنظيم سلسلة من اللقاءات العلمية والمؤتمرات التي ناقشت مستقبل الإنتاج الحيواني في المناطق الصحراوية، وإدارة التربة والرعي، ودور البيوتكنولوجيا في بناء زراعة أكثر استدامة.
ولم يقتصر حضور فوسبوكراع على الجانب البحثي فقط، بل امتد أيضاً إلى دعم التعاونيات المحلية ومواكبة ريادة الأعمال الترابية، من خلال مرافقة عدد من التعاونيات الإبلية داخل المعرض، بهدف تعزيز قدراتها الإنتاجية وربطها بالأسواق وتطوير آليات التحويل والتسويق. هذا البعد الاجتماعي يؤكد أن المؤسسة لا تتحرك كفاعل تمويلي فحسب، بل كشريك تنموي يحاول بناء جسر فعلي بين المختبر والمقاولة المحلية، وبين المعرفة العلمية والأثر المجتمعي المباشر.
في العمق، تعكس هذه المقاربة تحولاً استراتيجياً في فهم الأمن الغذائي بالمغرب، حيث لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بزيادة الإنتاج، بل ببناء منظومات إنتاجية محلية قادرة على الصمود والاستدامة، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة مناخياً. فالأمن الغذائي الحيواني أصبح جزءاً أساسياً من الأمن الغذائي الوطني، والصحراء المغربية لم تعد مجرد فضاء جغرافي هامشي، بل مختبراً حياً لنماذج إنتاج جديدة قد تشكل مرجعاً وطنياً وإفريقياً في المستقبل.






