
تشهد السوق المالية المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولات بنيوية عميقة، سيما في ما يخص تنويع مصادر التمويل وتوسيع قاعدة العرض المالي بما يستجيب لتطلعات شرائح واسعة من المواطنين. ويبرز في هذا السياق التمويل التشاركي، وتحديدًا قروض المرابحة، كأحد الأشكال التمويلية البديلة التي لقيت إقبالًا متزايدًا، بالنظر إلى طبيعتها المتوافقة مع مبادئ الشريعة، وقدرتها على الاستجابة لحاجيات حقيقية، خاصة في مجالات العقار، التجهيزات، والاستهلاك.
في سنة 2025، تواصل قروض المرابحة تحقيق معدلات نمو لافتة داخل المنظومة البنكية المغربية، حيث تُقدّر القيمة الإجمالية للتمويلات التشاركية بما يفوق 32.5 مليار درهم، حسب بيانات رسمية صادرة خلال النصف الأول من السنة. وتستحوذ المرابحة العقارية على حصة الأسد من هذه المعاملات، متبوعة بمرابحات التجهيزات، ثم الاستهلاك، مع مؤشرات قوية على اتساع رقعة استعمال هذا النوع من التمويلات في مجالات جديدة مثل السيارات، المعدات المهنية، وحتى بعض خدمات التعليم والصحة.
مفهوم قروض المرابحة: التمويل بشفافية وربح معلوم
تقوم المرابحة على مبدأ بسيط ومباشر: البنك لا يُقرض المال نقدًا، وإنما يشتري أصلًا معينًا بطلب من الزبون، ثم يبيعه له بثمن يشمل التكلفة مضافًا إليها هامش ربح معلوم ومحدد مسبقًا. يتم الاتفاق على السعر النهائي، وطريقة الأداء (غالبًا بالتقسيط)، وفترة السداد التي قد تتراوح بين 6 أشهر و15 سنة حسب نوع التمويل.
بخلاف القروض التقليدية المعتمدة على الفائدة، تُعد قروض المرابحة خيارًا مفضلًا لدى العديد من المواطنين المغاربة الذين يبحثون عن حلول تمويلية لا تتعارض مع قناعاتهم الدينية. كما أن آلية المرابحة، من حيث الشفافية والوضوح في مراحل التعاقد، تمنح الزبون رؤية واضحة حول التزاماته المالية منذ البداية.
المرابحة العقارية: النموذج الأكثر طلبًا
تمثل المرابحة العقارية أكثر من 80% من مجموع التمويلات التشاركية في المغرب خلال 2025. وتشير الإحصائيات إلى أن قيمة التمويلات العقارية التشاركية تجاوزت 26.5 مليار درهم بنهاية يوليوز، بارتفاع يفوق 14% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024. ويشمل هذا النوع من التمويلات شراء الأراضي، الشقق السكنية، البيوت الجاهزة، أو المساهمة في مشاريع بناء ذاتي.
يستفيد الزبون في هذا الإطار من عملية شراء آمنة، حيث يتولى البنك اقتناء العقار باسمه ثم بيعه للزبون وفق عقد مرابحة مفصل، ما يجنّب المستفيد الدخول في تعاملات مباشرة مع السوق العقارية بما تحمله من مخاطر قانونية أو تقنية. كما توفر هذه الآلية إمكانيات متعددة لأداء الأقساط، مع تسهيلات زمنية تتراوح بين 10 و25 سنة.
مرابحة التجهيزات والاستهلاك: عرض يتطور وتنافسية مرتفعة
إلى جانب العقار، بدأت فئة متزايدة من المواطنين تلجأ إلى مرابحة التجهيزات قصد اقتناء المعدات المنزلية، الحواسيب، الإلكترونيات، وحتى السيارات. وتتيح هذه الخدمة تمويلات قد تتراوح بين 10 آلاف و300 ألف درهم، حسب طبيعة المنتوج وفترة السداد، التي نادرًا ما تتجاوز 5 سنوات.
في سنة 2025، سُجل نمو بنسبة 22% في حجم مرابحات التجهيزات مقارنة بسنة 2024، ويُعزى هذا الارتفاع إلى تحسين تجربة الزبون، وتسهيل المساطر، واعتماد حلول رقمية لتقديم الطلبات وتتبع الملفات، وهو ما يُعرف اليوم بـ المرابحة الإلكترونية.
المرابحة الإلكترونية: الرقمنة في خدمة التمويل الإسلامي
واحدة من أبرز ملامح التحول الذي تعرفه قروض المرابحة خلال 2025 هي رقمنة الخدمات. فقد انتقلت العديد من المؤسسات البنكية التشاركية إلى تقديم عروضها عبر الإنترنت، ما أتاح للزبائن إمكانية تقديم طلبات التمويل، توقيع العقود، وتتبع الملفات، من خلال بوابات إلكترونية أو تطبيقات هواتف ذكية.
المرابحة الإلكترونية، في جوهرها، لا تختلف عن المرابحة الكلاسيكية من حيث الأحكام والضوابط الشرعية. لكن الفرق يكمن في طريقة التدبير، حيث يتم تقليص الخطوات الإدارية، وتوفير الزمن، وتحسين جودة التواصل مع الزبون، ما يجعل التجربة أكثر سلاسة وجاذبية.
هذا التوجه الرقمي يُعد استجابة مباشرة لتحديات السوق، خاصة مع تنامي فئة الزبناء الرقميين Digital Native، الذين يفضلون الحلول الذكية على المعاملات الورقية التقليدية. كما أنه يُعزز من فعالية البنوك التشاركية، ويمنحها أدوات تنافسية قوية أمام البنوك التقليدية التي سبقتها بخطوات في مجال الرقمنة.
تحديات قروض المرابحة: من التسويق إلى التثقيف المالي
رغم النمو الملحوظ لقروض المرابحة في المغرب، إلا أن هذا النمو لا يخلو من تحديات. أولها يتمثل في ضعف الوعي العام بمميزات التمويل الإسلامي، وغياب ثقافة مالية واضحة لدى فئات واسعة من المجتمع. كثيرون لا يزالون يخلطون بين المرابحة والقرض التقليدي، أو لا يدركون الفرق الجوهري المتعلق بعدم وجود فائدة ربوية، وشفافية الهامش الربحي.
إضافة إلى ذلك، تواجه المؤسسات التشاركية منافسة قوية من البنوك التقليدية التي تملك بنية تحتية أكثر تطورًا، ورأسمال أوفر، وشبكات تسويق متقدمة. لذلك، يبقى الاستثمار في التوعية والتثقيف المالي أداة حيوية لضمان توسع قروض المرابحة، خاصة في الوسط القروي، وضمن فئات الشباب والمهنيين الصغار.
آفاق قروض المرابحة في المغرب
الآفاق المستقبلية لقروض المرابحة واعدة، خاصة مع ازدياد الطلب على التمويلات المتوافقة مع الشريعة، وارتفاع نسبة الثقة في البنوك التشاركية. ويتوقع أن تتوسع المرابحة خلال السنوات القادمة لتشمل تمويل مشاريع المقاولات الصغرى، والمهن الحرة، وبعض قطاعات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
كما أن تطوير منتجات مرابحة موجهة لتمويل الخدمات (مثل التعليم الخاص، أو العمليات الطبية المكلفة) سيكون من بين المجالات المستقبلية التي قد تسجل فيها هذه الآلية حضورًا متزايدًا، خصوصًا إذا ما اقترنت بتسهيلات ضريبية أو دعم من مؤسسات الدولة.
من جهة أخرى، يُنتظر أن تلعب الرقمنة دورًا أكبر في تعميم قروض المرابحة، سواء عبر منصات رقمية مشتركة، أو عبر تكامل الخدمات بين البنوك ومقدمي حلول التكنولوجيا المالية (Fintech)، وهو ما من شأنه أن يُعيد رسم خريطة التنافس في القطاع المالي المغربي.






