
تواجه صناعة السيارات في إسبانيا ضغطًا متزايدًا من المغرب، الذي يرسخ موقعه كمركز إقليمي جاذب للإنتاج والتصدير. وتستند هذه الخلاصة إلى اتساع فجوة تكاليف التصنيع، وتطوّر البنية التحتية، ومرونة سلاسل التوريد على ضفتي المضيق.
وذكرت صحيفة لاراثون الإسبانية أن تكلفة اليد العاملة لكل سيارة في المغرب تبلغ نحو 106 دولارات فقط، مقابل 955 دولارًا في إسبانيا، وهو فارق كبير يمنح المغرب أفضلية سعرية مباشرة، خاصة في ظل تقارب عناصر الكلفة الأخرى مثل المواد والمعدات والخدمات اللوجستية.
تسير المنظومة الصناعية المغربية بخطوات متسارعة. فمصنع ستيلانتيس في القنيطرة في طور رفع طاقته الإنتاجية إلى حوالي 535 ألف سيارة سنويًا، مع التركيز على المركبات الكهربائية الصغيرة وزيادة نسبة الإدماج المحلي للمكوّنات. وفي الشمال، يواصل مصنع رونو بطنجة تعزيز موقعه كمنصة تصديرية رئيسية، بينما يكمّل مصنع الدار البيضاء شبكة الإنتاج الموجهة لأسواق متعددة.
يلعب ميناء طنجة المتوسط دورًا استراتيجيًا في هذه الدينامية. فقد أصبح محطة محورية لشركات النقل البحري العالمية، ما يقلّص زمن العبور ويخفض تكاليف اللوجستيات، وهو ما يعزز من تنافسية المغرب في أعين المستثمرين الدوليين.
من جانبها، تظل إسبانيا ثاني أكبر منتج للسيارات في أوروبا بطاقة إنتاجية تراوح بين 2.3 و2.5 مليون مركبة سنويًا. غير أن تسارع وتيرة النمو الصناعي في المغرب يخلق منافسة مباشرة، خاصة مع خطط رسمية تهدف إلى بلوغ إنتاج مليوني سيارة سنويًا بحلول 2030. هذا الهدف يظل طموحًا، لكنه يحظى بدعم حكومي وصناعي متواصل.
أفادت تقارير صحفية أيضًا بوجود احتمال لنقل إنتاج الجيل الجديد من “سيتروين C4” من مدريد إلى القنيطرة ابتداءً من 2027. ورغم عدم وجود إعلان رسمي نهائي بهذا الخصوص، إلا أن استثمارات التوسعة الجارية في المغرب تجعل من هذا الاحتمال قائمًا بقوة.
إطار المنافسة يمتد إلى التشريعات والبيئة التنظيمية. فالمغرب ليس عضوًا في الاتحاد الأوروبي، ما يمنحه مرونة داخلية في قوانين الانبعاثات والتحول الطاقي، مع التزام أي سيارات مصدّرة إلى أوروبا بمعاييرها الصارمة. هذا الواقع يفتح الباب أمام استراتيجيات إنتاج مزدوجة: مركبات بمحركات تقليدية موجهة للأسواق الإفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية، وأخرى كهربائية أو منخفضة الانبعاثات للأسواق الأوروبية.
في قطاع الطاقة، يستفيد المغرب من أسعار تنافسية وقدرات متنامية في الطاقات المتجددة، لا سيما الشمسية والريحية. لكن الفارق الحقيقي يبرز في “كلفة المنظومة” ككل، حيث تجتمع الأجور التنافسية، الموانئ الفعالة، وشبكة الموردين المحليين لتمنح المغرب ميزة نسبية قوية.
هذا المشهد يفرض على مدريد وبروكسل إعادة التفكير في استراتيجيات الجذب الصناعي والحفاظ على تنافسية الصناعة الإسبانية داخل الاتحاد الأوروبي. في المقابل، يواصل المغرب الاستثمار في موقعه كبوابة استراتيجية لإمداد أوروبا والأسواق الصاعدة بسيارات تجمع بين الكلفة المنخفضة والمواصفات التنافسية.






