
أيّاماً قليلة على تصريح رياض مزور، وزير التجارة والصناعة، بأن حوالي 80 في المائة من وكالات بريد بنك غير مربحة وتحتاج إلى دعم إضافي، انفجر نقاش واسع حول ما إذا كان هذا الخطاب ينسجم مع الأرقام التي تُظهر تحقيق المؤسسة لربح صافٍ يفوق 850 مليون درهم عند متم شتنبر 2025. هذا الجدل يكشف أن جوهر الإشكال لا يكمن في صحة الأرقام ذاتها، بقدر ما يرتبط بكيفية فهم العلاقة بين ربحية بنك تجاري من جهة، وكلفة مهمة إدماج مالي ذات طابع عمومي من جهة أخرى داخل سوق بنكي تنافسي.
عندما تحدث الوزير عن “80 في المائة من الوكالات غير المربحة”، لم يكن يعلن عن وضعية إفلاس، بل كان يسلّط الضوء على كلفة انتشار شبكة واسعة في مناطق قروية وشبه حضرية حيث الكثافة السكانية ضعيفة، وحجم العمليات اليومية لا يكفي لتغطية الأجور والتجهيزات والأنظمة المعلوماتية.
هذا المعطى ينسجم مع أهداف الاستراتيجية الوطنية للإدماج المالي، التي تضع تعميم الخدمات البنكية على الفئات الهشة والتجار الصغار في صلب السياسة العمومية، حتى لو تم ذلك على حساب الربحية التجارية لكل وكالة على حدة. لذلك يمكن قراءة طلب الدعم الإضافي كدعوة لتقاسم هذه الكلفة بين الخزينة العامة والبنك، لا كعملية إنقاذ لمؤسسة متعثرة.
في المقابل، تكشف المؤشرات المالية أن بريد بنك سجّل عند نهاية شتنبر 2025 نتيجة صافية تقارب 850 مليون درهم، بارتفاع يفوق 70 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، مدعوماً بنمو الناتج البنكي الصافي وتحسن مؤشرات الاستغلال.
هذا الأداء يقوم على قاعدة زبناء واسعة جداً، وعلى تنويع كبير في مصادر الدخل يشمل خدمات الأداء الرقمي، تحويل الأموال، القروض، المنتجات الادخارية، ونشاط الاستثمار في السندات، إضافة إلى استغلال رصيد مهم من ودائع الادخار الصغير.
عملياً، يتم امتصاص الخسائر المحاسبية للوكالات الصغيرة من خلال أرباح أنشطة أكثر مردودية في المدن الكبرى والقنوات الرقمية، ما يتيح للبنك الجمع بين الاستمرارية التجارية وتمويل جزء معتبر من مهمة الإدماج المالي.
الخلط الذي غذّى الإحساس بالتناقض نابع من عدم التمييز بين مستويين للتحليل: على مستوى الوكالة، يمكن فعلاً أن تكون غالبية النقط في وضعية عجز محاسبي سنوي، لأن عدد العمليات وقيمتها لا يغطيان الكُلفة الثابتة والمتغيرة. وعلى مستوى المجموعة البنكية، يتم تجميع كل الأنشطة والمنتجات، بما فيها التمويل والاستثمار والخدمات الرقمية، فتظهر نتيجة إجمالية إيجابية تعكس قوة النموذج ككل.
هذا النمط شائع في البنوك ذات الانتشار الوطني الواسع، حيث تتحمل الفروع الموجودة في مناطق الهامش دوراً استراتيجياً يتمثل في الحضور الترابي، وتقوية ولاء الزبناء، وضمان منفذ للخدمات العمومية، حتى إن كانت “خاسرة” على مستوى الحساب الفردي، بينما تُنتج الفروع الحضرية والأنشطة غير الشبكية الجزء الأكبر من الأرباح. من دون شرح هذا الفرق للرأي العام، يبدو أي حديث عن عدم ربحية 80 في المائة من الوكالات كأنه نفي لجدوى البنك، وتتلقاه فئات من المتتبعين كقرينة على تضخيم متعمد للأرباح.
بريد بنك يتحمل، بحكم تموقعه، مهاماً مواطِنة تتجاوز الخدمات البنكية الكلاسيكية، من قبيل فتح حسابات لفئات لم يسبق لها التعامل مع البنوك، وتدبير تحويلات برامج الدعم الاجتماعي والمنح الدراسية، وتوفير بطائق أداء لفائدة الطلبة، إضافة إلى مبادرات التربية المالية لفائدة التلاميذ والشباب.
هذه الخدمات تنفَّذ غالباً بهوامش ربح محدودة أو شبه منعدمة، لكنها تحمل قيمة اجتماعية عالية، وتستدعي وجود شبكة وكالات كثيفة في القرى والمراكز النائية، وهو ما لا تقبِل عليه البنوك التجارية التي تشتغل حصرياً بمنطق العائد على رأس المال. هكذا يصبح بريد بنك أداة تنفيذ ميداني لجزء من السياسات العمومية في الإدماج المالي، مع ما يترتب عن ذلك من التزامات استثمارية وتسييرية طويلة الأمد.
رغم هذه الخصوصية، يطرح النموذج الهجين تساؤلات مشروعة من زاوية المنافسة: فالبنك يزاول في الآن نفسه نشاطاً تجارياً كاملاً في سوق الودائع والقروض ووسائل الأداء، وينافس مباشرة فاعلين لا يستفيدون من الصيغة نفسها من الدعم العمومي. لذلك يصبح من الضروري أن تكون الأرقام المقدَّمة حول كلفة الوكالات غير المربحة وحول النتائج المالية المجمّعة مصحوبة بتفصيل دقيق لمصادر الربح والخسارة، حتى لا يُنظر إلى أي تحويل عمومي محتمل كتشويه لشروط المنافسة، أو كآلية غير معلنة لمساندة فاعل قوي على حساب باقي الفاعلين.
التجارب الدولية الأقرب لهذا النموذج تعتمد آلية “عقود الأداء” بين الدولة والبنك ذي المهمة المواطِنة، تفصل بوضوح بين كلفة الخدمات التي تُنجَز لاعتبارات اجتماعية، وبين النشاط التجاري الخاضع لقواعد السوق.
في حالة بريد بنك، يعني ذلك اعتبار البنك فاعلاً تجارياً كاملاً، خاضعاً للرقابة المالية نفسها المطبقة على باقي البنوك، مع نشر مؤشرات مفصلة عن الربحية، المخاطر، وجودة الأصول. وفي المقابل، توقيع اتفاقيات خدمة عمومية تُحَدَّد فيها بدقة عدد الوكالات والبرامج التي تُدار لأهداف إدماج مالي واجتماعي، مع تحديد مقابل مالي واضح تتحمله الميزانية العامة أو صناديق مخصَّصة، على أساس مؤشرات للأداء والأثر الترابي.
حينها يصبح أي حديث للوزير عن “كلفة 80 في المائة من الوكالات” جزءاً من نقاش سنوي حول تنفيذ عقد أداء، لا مجرد جملة معزولة في سجال سياسي، ويُفهم أن أرباح 850 مليون درهم تعكس أداء النشاط التجاري، في حين تُدار كلفة المهمة العمومية في إطار تعاقدي شفاف يخضع للمساءلة.
بهذا المنظور، يتضح أن ما يبدو ظاهرياً تناقضاً بين طلب دعم لبنك يتوفر على وكالات غير مربحة من جهة، وإعلان أرباح قوية من جهة أخرى، هو في جوهره نتيجة غموض في طريقة تقديم النموذج الاقتصادي لبريد بنك. فالمؤسسة تتحرك في منطقة وسطى بين بنك تجاري وبنك عمومي، وتحتاج، كما تحتاج الحكومة، إلى تواصل مالي أوضح وأدوات حوكمة أكثر دقة تحدد ما هو “خدمة عمومية مدعومة” وما هو “نشاط سوقي تنافسي”.
وإذا ما تم تطوير هذا الإطار، يمكن أن يتحول النقاش الحالي من جدل ظرفي إلى فرصة لإعادة بناء علاقة متوازنة بين السياسة البنكية للإدماج المالي ومتطلبات الشفافية والإنصاف في السوق المالية المغربية، بما يضمن استدامة النموذج ويدعم الثقة في المنظومة البنكية ككل.






