ليس الكساب الصغير الذي أنهكته سنوات الجفاف وغلاء الأعلاف، وليس المواطن الذي سحقه التضخم وتآكلت قدرته الشرائية، ولا حتى الدولة التي تحدثت لشهور عن الدعم والاستيراد وإعادة تكوين القطيع. المنتصر الحقيقي في سوق الأضاحي هذه السنة كان “الفراقشي”، الوسيط الذي لا ينتج شيئا، لكنه يربح من كل شيء.
قبل أسابيع فقط، كانت الحكومة تطمئن المغاربة. 40 مليون رأس من الماشية، أسواق ممونة، دعم للأعلاف، استيراد للأغنام، إعفاءات جمركية، ومراقبة للأسعار. رئيس الحكومة نفسه استغرب استمرار الغلاء في بلد يتوفر على هذا العدد من الرؤوس. ووزير الفلاحة تحدث عن أثمنة “معقولة”. لكن ما إن اقترب العيد حتى ظهرت الحقيقة من داخل الأسواق: العرض محدود، الأسعار تشتعل، والمواطن يطارد خروفا صار أقرب إلى سلعة فاخرة.
هنا يبدأ انتصار الفراقشية.
في المغرب، كلما عجزت السياسات العمومية عن الوصول إلى السوق الحقيقي، يظهر اقتصاد الوسطاء. هؤلاء لا يزرعون، لا يربون، لا يتحملون كلفة العلف ولا مخاطر الجفاف، لكنهم يتقنون شيئا واحدا: السيطرة على مسار السلعة بين المنتج والمستهلك. يكفي أن يمر الخروف عبر ثلاث أو أربع أياد حتى يتحول من أضحية شعبية إلى مشروع استنزاف جماعي.
ما وقع هذا الموسم لم يكن مجرد ارتفاع عادي للأسعار. كان إعلانا صريحا بأن الدولة فقدت السيطرة على جزء واسع من سوق الماشية. لأن السوق الذي تتحكم فيه الشاحنات والوسطاء والمضاربون أكثر مما تتحكم فيه القوانين، لا يمكن أن تنتج عنه إلا الفوضى.
كيف يمكن تفسير أن الحكومة تتحدث عن وفرة تاريخية في القطيع، بينما يتحدث المواطن عن ندرة في الأسواق؟ كيف يمكن تفسير مليارات الدراهم التي صُرفت على الدعم والاستيراد دون أثر واضح على الأسعار؟ أين اختفت الأغنام؟ ومن استفاد فعليا من الإعفاءات والدعم؟ المواطن بالتأكيد ليس هو الجواب.
الأخطر أن “الفراقشي” لم يعد مجرد شخص داخل سوق أسبوعي. لقد تحول إلى نموذج اقتصادي كامل. شبكة غير مهيكلة تمتد من الضيعات إلى المجازر والأسواق الحضرية. اقتصاد نقدي ضخم يتحرك خارج الشفافية والضرائب والمراقبة الحقيقية. وكلما ضعفت آليات السوق الرسمية، تمدد هذا النموذج أكثر.
لهذا لم يكن غريبا أن تتحول أسواق الأضاحي في الأيام الأخيرة إلى فضاءات للتوتر والصدمة. مواطنون يدخلون بأمل ويخرجون بعجز. أسر تؤجل الشراء من يوم إلى آخر في انتظار انخفاض لن يأتي. ووسط كل هذا، ترتفع الأسعار بشكل شبه يومي، وكأن هناك من يختبر إلى أي حد يمكن دفع المغاربة نحو الاستسلام.
السلطة تقول إن هناك قطيعا. المواطن يقول إنه لا يرى إلا الأسعار. وبين الاثنين يقف الفراقشي مبتسما، لأنه فهم مبكرا ما لم تفهمه السياسات العمومية: من يتحكم في السوق لا يحتاج إلى امتلاك القطيع، يكفي أن يتحكم في الطريق إليه.
هذه ليست أزمة عيد فقط. إنها صورة مصغرة عن اقتصاد كامل يعيش على الوساطة والمضاربة والريع. من الخضر إلى الأسماك إلى العقار إلى الأضاحي، دائما هناك شخص يربح أكثر ممن ينتج، وأكثر ممن يستهلك. شخص لا يخلق القيمة لكنه يحتكر المرور نحوها.
في النهاية، لم تنتصر وفرة القطيع، ولا لجان المراقبة، ولا خطابات الطمأنة.
انتصر الفراقشية.







