مع اقتراب عيد الأضحى، دخلت مواقع التواصل الاجتماعي موسما استثنائيا من “التحليل العلمي” لا علاقة له بالاقتصاد ولا بالسياسة ولا بالذكاء الاصطناعي، بل بالخروف وثمنه.
وفجأة، تحول فيسبوك وإنستغرام وتيك توك إلى مراكز دراسات عليا في “علوم تسعير الأضاحي”.
كل المغاربة أصبحوا خبراء في السوق.
الجميع صار يفهم في العرض والطلب، الأعلاف، الاستيراد، الجفاف، الوسطاء، المضاربين، تكلفة النقل، دعم الدولة، وحتى نفسية الكسابة.
الكل عنده تفسير جاهز لغلاء الأسعار، يقدمه بثقة وزير مالية سابق.
على فيسبوك، تجد منشورات طويلة تبدأ عادة بـ: “باش تعرفو علاش وصل الحولي لهاد الثمن خاصكم تفهمو…”، ثم يدخل صاحب المنشور في تحليل اقتصادي يجعل صندوق النقد الدولي يبدو هاويا أمامه.
يتحدث عن الشعير وكلفة التسمين وسوق الجملة وهو لم يشتر في حياته غير دجاجة، وحتى هي لم تسلم من تحليلاته..
أما على إنستغرام، فقد صار المؤثرون يقدمون “محتوى توعويا” عن الأسعار، مع صور أكباش مصورة كأنها سيارات فاخرة.
كل واحد يشرح لك لماذا هذا الكبش “يسوى ثمنه”، وكيف أن “الخروف الزوين عمره ما يكون رخيص”.
لا ينقص سوى أن يضيفوا خاصية التقسيط وفوائد التمويل.
لكن تيك توك يبقى الجوهرة الحقيقية في هذا الموسم.
هناك يولد آلاف الخبراء يوميا.
شاب يصور فيديو من سوق مواش ويصرخ: “هادي هي الحقيقة لي مخبيين عليكم”، ثم يبدأ في كشف “أسرار” ارتفاع الأسعار وكأنه حضر اجتماعات سرية بين الكسابة والبنوك ووزارة الفلاحة.
المضحك أن الجميع يتحدث وكأنه عاش سنوات وسط الماشية.
واحد يؤكد أن السبب هو الجفاف.
الثاني يقول إن المشكل في “الشناقة”.
الثالث يتهم الاستيراد.
الرابع يشرح أن المغاربة أنفسهم سبب الغلاء لأنهم “كايتهافتو”.
والخامس يخرج بنظرية أكثر تعقيدا تربط سعر الخروف بأسعار البترول والحرب في مضيق هرمز والدولار وربما حركة الكواكب أيضا.
ولا أحد يعترف بأنه لا يعرف.
في موسم العيد، الجهل ممنوع على مواقع التواصل.
إما أن تكون خبيرا في تسعير الأكباش أو اصمت.
المفارقة أن فوضى الهواتف هذه لم يتابعها المواطنون فقط، بل انتبه إليها أيضا الكسابة والشناقة ومن يدور في فلكهم.
صاروا يصورون يوميا عشرات الفيديوهات التي تردد أن “الخروف قليل”، وأن “الطلب كبير”، وأن “الأسعار غادي تطلع أكثر”..
ومع كل بث مباشر وكل فيديو مليء بالصراخ والتخويف، يزداد اقتناع البعض بأن السوق قادر على ابتلاع أي رقم، وأن بإمكانهم رفع الأسعار إلى أقصى مستوى ما دام هناك من سيقنع الناس بأن “هذا هو الثمن الطبيعي”.
وهكذا، تحولت مواقع التواصل من فضاء للنقاش إلى ماكينة ضخ جماعي للقلق.
كل فيديو جديد يجعل الناس يشعرون أن عليهم الإسراع قبل “الزيادة المقبلة”، وكل إشاعة تتحول إلى مبرر إضافي لرفع الثمن.
حتى أصبح المواطن يدخل السوق وهو خائف من التأخر أكثر من خوفه من السعر نفسه.
وفي النهاية، بعد آلاف الفيديوهات والتحليلات والنظريات الاقتصادية المعقدة، ينزل أغلب المغاربة إلى السوق، يدورون قليلا، يتشاجرون مع الثمن قليلا، ثم يشترون أول خروف لا تسمح به ميزانيتهم ولا مقدراتهم.. المهم أنهم يعودون إلى البيت مقتنعين أنهم قاموا بـ”صفقة تاريخية”.
أما علماء العيد الكبير، فيغلقون مؤقتا مختبرات تحليل الأكباش، ويعودون مباشرة إلى مهامهم الأصلية: تدريب المنتخب المغربي، إصلاح التعليم، حل أزمة الماء، وإنقاذ الاقتصاد الوطني… طبعا من وراء كاميرات هواتفهم .







