بنوك وتأميناترئيسية

مجلة International Banker تبرز نموذج القرض الفلاحي للمغرب في دعم الأمن الغذائي والتنمية القروية

خصصت مجلة internationalbanker.com تحليلا مطولا لتجربة القرض الفلاحي للمغرب، معتبرة أن المؤسسة البنكية المغربية تمثل اليوم أحد أبرز النماذج الإفريقية التي نجحت في الجمع بين العمل البنكي التجاري والتمويل التنموي، في سياق دولي يتسم بتزايد الضغوط على الأنظمة الغذائية العالمية بفعل التغيرات المناخية والاضطرابات الجيوسياسية وأزمات سلاسل التوريد.

المقال، الذي وقعه مصطفى شهار، نائب المدير العام ومستشار رئيس القرض الفلاحي للمغرب المكلف بالمهمة السوسيو-اقتصادية، ورئيس بنك الاستثمار HOLDAGRO، اعتبر أن التمويل الفلاحي أصبح ركيزة أساسية لضمان الأمن الغذائي وتعزيز صمود الاقتصادات القروية، خصوصا داخل القارة الإفريقية، مشيرا إلى أن القرض الفلاحي للمغرب استطاع على مدى أكثر من ستة عقود أن يرسخ موقعه كمؤسسة مرجعية في تمويل الفلاحة والصناعات الغذائية والتنمية القروية.

وأوضح المقال أن البنك يوفر حوالي 85 في المائة من القروض الفلاحية بالمغرب، فيما يخصص ما يقارب نصف محفظته التمويلية للقطاع الفلاحي وسلاسل الصناعات الغذائية المرتبطة به، وهو ما يجعله فاعلا محوريا في المنظومة الفلاحية الوطنية.

وأكدت المجلة أن خصوصية القرض الفلاحي للمغرب تكمن في اعتماده نموذجا مزدوجا يجمع بين منطق المؤسسة البنكية التجارية ذات الأهداف الربحية، وبين أداء مهمة تنموية ذات بعد عمومي موجهة للعالم القروي والفلاحين الصغار والتعاونيات الفلاحية.

فمن جهة، يقدم البنك خدمات بنكية وتمويلية متكاملة للمقاولات الكبرى والفاعلين الاقتصاديين، تشمل تمويل المشاريع والاستثمار والتجارة الخارجية والخدمات البنكية للشركات والتمويل المهيكل. ومن جهة ثانية، يضطلع بدور اجتماعي وتنموي عبر توفير منتجات تمويلية تتلاءم مع خصوصيات الفلاحين الصغار، وتمويل المواسم الزراعية وتربية الماشية وآليات تقاسم المخاطر والحلول البنكية الملائمة للوسط القروي.

وأبرز المقال أن هذا النموذج الهجين يسمح بتحقيق توازن بين الأداء المالي والاستدامة الاقتصادية من جهة، والمساهمة في التنمية الاجتماعية وتقليص الهشاشة بالعالم القروي من جهة أخرى، عبر دمج الفلاحين الصغار داخل سلاسل الإنتاج والأسواق المنظمة.

كما سلطت المجلة الضوء على الدور الاستراتيجي الذي يلعبه البنك في مواكبة السياسات العمومية الفلاحية بالمغرب، وعلى رأسها “مخطط المغرب الأخضر” واستراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030”، من خلال تمويل تحديث أنظمة الإنتاج الزراعي، وتطوير الصناعات الغذائية، وتعزيز تنافسية القطاع الفلاحي وقدرته على مواجهة التقلبات المناخية والاقتصادية.

وأشار المقال إلى أن البنك يساهم بشكل مباشر في دعم سلاسل القيمة الموجهة للتصدير، ما يساعد على تعزيز مداخيل العملة الصعبة وتقوية السيادة الغذائية للمملكة، عبر تمويل مختلف حلقات سلسلة الإنتاج، سواء في الأنشطة الفلاحية الأولية أو الصناعات التحويلية والتخزين والخدمات اللوجستيكية والتسويق والتصدير.

وأكدت المجلة أن من بين أبرز نقاط قوة القرض الفلاحي للمغرب الخبرة القطاعية العميقة التي راكمتها موارده البشرية، حيث طور البنك معرفة دقيقة بمختلف سلاسل الإنتاج، بما فيها الحبوب والخضر والفواكه والحوامض وتربية المواشي والحليب والزيوت والصناعات الغذائية والمنتجات البحرية.

وأضافت أن هذه الخبرة تمكن المؤسسة من تصميم حلول تمويلية تتلاءم مع خصوصيات كل قطاع، سواء من حيث دورات الإنتاج أو طبيعة المخاطر أو الحاجيات الاستثمارية، مع اعتماد مقاربة متكاملة تشمل مختلف مراحل سلسلة القيمة.

كما أبرز المقال أن دور البنك لا يقتصر على التمويل فقط، بل يشمل أيضا دعم تحديث التقنيات الزراعية وتطوير البنيات التحتية الخاصة بالتخزين وسلاسل التبريد، وتشجيع الممارسات الفلاحية المستدامة وإدماج الحلول الرقمية في التمويل الفلاحي.

وفي الجانب الترابي، اعتبرت المجلة أن الانتشار الواسع لوكالات القرض الفلاحي للمغرب داخل المناطق الحضرية والقروية وشبه الحضرية يمثل أحد أهم عناصر قوته، إذ يتيح للمؤسسة القرب من الفلاحين والتعاونيات والمقاولات المحلية، ويجعلها في عدد من المناطق المؤسسة البنكية الرسمية الوحيدة المتاحة للسكان.

وأكد المقال أن هذا الحضور الترابي يلعب دورا أساسيا في تعزيز الإدماج المالي، من خلال تسهيل الولوج إلى التمويل والخدمات البنكية والادخار لفائدة الفئات القروية والمناطق النائية.

كما خصصت المجلة حيزا مهما للبرامج الموجهة للشباب والنساء بالعالم القروي، موضحة أن البنك طور حلولا تمويلية مبسطة ومنتجات خاصة بالتمويل الأصغر والمتوسط، عبر قنوات مثل مؤسسة “أرضي”، إضافة إلى برامج للمواكبة والتكوين والتربية المالية.

وأشار المقال إلى أن النساء يمثلن نسبة مهمة من المستفيدين من هذه البرامج، التي تهدف إلى دعم التعاونيات والمقاولات الصغيرة وإدماج الشباب والنساء داخل سلاسل الإنتاج والأسواق المهيكلة، بما يساهم في خلق فرص الشغل وتحقيق التنمية المحلية.

وفي ما يتعلق بالتغيرات المناخية، أوضح المقال أن القرض الفلاحي للمغرب عزز التزامه بدعم الفلاحة المستدامة والمرنة، عبر تمويل مشاريع الاقتصاد في مياه السقي والطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية والتقنيات الزراعية الذكية مناخيا.

وفي هذا الإطار، توقف المقال عند برنامج “استدامة”، الذي تم تطويره بشراكة مع  الوكالة الفرنسية للتنمية، باعتباره نموذجا متكاملا يجمع بين التمويل والمواكبة التقنية والمنح الاستثمارية، بهدف مساعدة الفاعلين الفلاحيين والصناعات الغذائية على الانتقال نحو نماذج إنتاج أكثر استدامة وقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.

كما أوضح المقال أن البنك دمج بشكل تدريجي معايير المخاطر المناخية والبيئية ضمن آليات الحكامة وتحليل ملفات التمويل، من خلال اعتماد نظام لتدبير المخاطر البيئية والاجتماعية، إلى جانب تطوير أدوات خاصة بتحليل تأثيرات المناخ على سلاسل الإنتاج والأنشطة الممولة.

وأكدت المجلة أن القرض الفلاحي للمغرب بات يلعب أيضا دورا قاريا متناميا، من خلال شراكات مع مؤسسات مالية وتنموية إفريقية ودولية في إطار التعاون جنوب-جنوب، بهدف تبادل الخبرات وتطوير نماذج قابلة للتطبيق في مجالات التمويل الفلاحي والتنمية القروية.

كما سلط المقال الضوء على انخراط البنك في مبادرة “AAA” الخاصة بالتكيف الفلاحي الإفريقي مع التغيرات المناخية، والتي أطلقت على هامش مؤتمر المناخ “COP22”، باعتباره شريكا ماليا استراتيجيا للمبادرة التي تهدف إلى دعم مشاريع تدبير التربة وتحسين النجاعة المائية وتطوير آليات مواجهة المخاطر المناخية بالقارة الإفريقية.

وخلصت مجلة International Banker إلى أن تجربة القرض الفلاحي للمغرب تبرز كيف يمكن للمؤسسات المالية أن تتحول إلى أدوات استراتيجية لمعالجة التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والتنمية المستدامة، عبر الجمع بين الخبرة البنكية والالتزام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للعالم القروي، في وقت أصبحت فيه الفلاحة والأمن الغذائي من أبرز رهانات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المستوى العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى