في مقاربة تعكس تشددًا قانونيًا محسوبًا في تدبير ملفات التركيز الاقتصادي ذات البعد الدولي، أنهى مجلس المنافسة المغربي دراسة مشروع العملية التي تجمع بين مجموعة Orange S.A. وشركة APG Asset Management N.V. الهولندية، ليخلص إلى عدم خضوعها لواجب الإخطار الإلزامي داخل المغرب، معتبرًا أن الصفقة لا تستوفي الشروط القانونية التي تمنح له اختصاص الرقابة المسبقة.
اللجنة الدائمة للمجلس، التي اجتمعت يوم 20 أبريل 2026 بالرباط، نظرت في مشروع استحواذ مشترك يهدف إلى تمكين Orange SA، عبر فرعها البولندي Orange Polska S.A.، إلى جانب APG Asset Management بصفتها متصرفًا لحساب مؤسسة التقاعد الهولندية Stichting Pensioenfonds ABP، من بسط مراقبة مشتركة على شركة Nexera Holdings sp. z o.o.، وهي فاعل بولندي متخصص في البنية التحتية الرقمية والاتصالات داخل السوق البولندية.
وكان المجلس قد نشر في 18 مارس 2026 ملخصًا أوليًا للعملية وفتح المجال أمام الأغيار لتقديم ملاحظاتهم خلال أجل قانوني امتد لعشرة أيام وانتهى في 30 مارس، قبل إحالة الملف على اللجنة الدائمة لاتخاذ القرار النهائي، في إطار المسطرة المعمول بها في قضايا التركيز الاقتصادي.
التحليل القانوني للمجلس ارتكز أساسًا على مقتضيات المادة 13 من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، والتي تشترط تحقق عتبات محددة، خاصة ما يتعلق بحجم رقم المعاملات داخل السوق الوطنية، حتى تصبح العملية خاضعة للتبليغ القبلي الإجباري. فالمعيار الحاسم، وفق هذا المنطق، لا يرتبط فقط بحجم الشركات أو طابعها الدولي، بل بمدى الأثر الاقتصادي المباشر والفعلي على السوق المغربية.
مجلس المنافسة: تظل العملية ذات تمركز فعلي داخل بولندا
بعد دراسة تقنية مفصلة، خلص المجلس إلى أن الصفقة، رغم ارتباطها بواحدة من أكبر مجموعات الاتصالات الأوروبية ومدير أصول مرتبط بأحد أكبر صناديق التقاعد الهولندية، تظل عملية ذات تمركز فعلي داخل بولندا، دون مؤشرات اقتصادية كافية على تأثيرها في هيكلة العرض أو المنافسة داخل المغرب بالحد الذي يفرض رقابة إلزامية.
هذا القرار يعكس توجهًا واضحًا لدى مجلس المنافسة نحو ضبط دقيق لاختصاصه الرقابي، بعيدًا عن التوسع غير المبرر في فرض الإخطار على كل عملية عابرة للحدود. فالمجلس يميز بين الصفقات التي تُحدث أثرًا تنافسيًا ملموسًا داخل السوق الوطنية، وتلك التي تبقى آثارها محصورة في أسواق خارجية، حتى وإن تعلقت بفاعلين عالميين ذوي حضور واسع.
كما يكرس القرار منطقًا مؤسساتيًا يقوم على حماية مصداقية مسطرة الإخطار الإلزامي، عبر ربطها الصارم بالعتبات الاقتصادية الفعلية، بدل تحويلها إلى أداة رقابة شاملة على كل تحرك دولي لرؤوس الأموال. فإخضاع جميع عمليات الاندماج والاستحواذ الدولية للمراقبة المحلية دون تحقق الشروط القانونية، من شأنه أن يخلق تضخمًا رقابيًا غير منسجم مع مبادئ الأمن القانوني والممارسات المقارنة دوليًا.
ويؤشر هذا الملف أيضًا على تطور في منهجية مجلس المنافسة، التي أصبحت أكثر التصاقًا بتحليل الأثر الاقتصادي الملموس بدل الاكتفاء بطبيعة القطاع أو شهرة الأطراف المعنية. وفي ظل تصاعد موجة إعادة تشكيل الأصول والبنى التحتية الرقمية عالميًا، خاصة في قطاع الاتصالات، يواصل المجلس المغربي ترسيخ مقاربة تقوم على استقلالية القرار واحترام الحدود النصية للاختصاص، بما يعزز ثقة المستثمرين في شفافية وانتظام البيئة التنافسية بالمملكة.





