
شهدت الساحة السياسية والاقتصادية المغربية خلال السنوات الأخيرة نقاشاً محتدماً حول التبادل التلقائي للبيانات البنكية لأغراض ضريبية، وهو جزء من المعيار المشترك للإبلاغ (CRS) الذي طورته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بدعم من مجموعة العشرين (G20). المغرب كان قد وقّع على الاتفاقية متعددة الأطراف (MCAA) سنة 2019، غير أن مسار إدماجها في التشريع الوطني تعثّر بعد اعتراضات برلمانية وخشية واضحة من آثارها على الجالية المغربية في الخارج.
هذا المقال يسعى إلى تحليل مختلف أبعاد هذا الملف، انطلاقاً من السياق الدولي، مروراً بـالمواقف الوطنية، وصولاً إلى تداعياته الاقتصادية والسياسية.
ما هو المعيار المشترك للإبلاغ (CRS)؟
المعيار المشترك للإبلاغ هو آلية دولية وضعتها الـOECD بدعم من G20 لمكافحة التهرب الضريبي العابر للحدود. يقوم على التبادل التلقائي للمعلومات المالية بين الإدارات الضريبية للدول المشاركة، بحيث تُزوّد البنوك والمؤسسات المالية في كل بلد سلطاتها الضريبية بمعلومات عن حسابات غير المقيمين، ثم تُرسل هذه المعلومات بشكل سنوي إلى بلدان إقامة أصحاب هذه الحسابات.
تشمل البيانات المتبادلة: اسم العميل، العنوان، رقم التعريف الضريبي (TIN)، تاريخ الميلاد، رقم الحساب البنكي، الرصيد أو القيمة في نهاية السنة، إضافة إلى الدخل الناتج عن فوائد أو أرباح أو بيع أصول. المعيار لا يفرض غرامات مباشرة، لكنه يلزم الدول بوضع آليات رقابية وجزاءات وطنية لضمان الامتثال.
توقيع المغرب على الاتفاقية
في 25 يونيو 2019، وقّع المغرب على الاتفاقية متعددة الأطراف (MCAA) الخاصة بـالتبادل التلقائي للمعلومات المالية. بهذا التوقيع، التزم المغرب سياسياً وقانونياً بالانخراط في نظام CRS، على أن يُدخل لاحقاً التعديلات القانونية اللازمة لتمكين مؤسساته البنكية والضريبية من التطبيق.
كانت التوقّعات أن يبدأ المغرب التبادل الفعلي بحلول 2023 أو 2024، أسوة بعدد من الدول النامية التي حصلت على فترة انتقالية. غير أن تنفيذ هذه الالتزامات تطلّب مصادقة البرلمان على مشاريع قوانين خاصة (منها مشروع القانون 77.19)، وهو ما لم يتم كما كان مخططاً.
محطة البرلمان: التعثر البارز
في يوليوز 2023، عرضت الحكومة المغربية مشروعين قانونيين يتعلقان بـالتبادل الآلي للمعلومات المالية أمام لجنة برلمانية مختصة. غير أن اللجنة قررت رفض المصادقة أو تأجيلها، مطالبة بمزيد من الضمانات. السبب الرئيس وراء هذا الموقف كان القلق على مصالح الجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي تتجاوز خمسة ملايين مواطن، تشكّل تحويلاتهم أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
أثار هذا القرار جدلاً واسعاً، حيث رأت بعض الأصوات أن رفض البرلمان يُعرّض المغرب لمخاطر تتعلق بـسمعته المالية وبتعاونه الدولي في مكافحة التهرب الضريبي. في المقابل، اعتبر آخرون أن حماية الجالية وخصوصيتها المصرفية أولوية، وأن أي اتفاق ينبغي أن يأخذ خصوصية المغرب بعين الاعتبار.
المخاوف الرئيسية المرتبطة بـالجالية المغربية
أ. فقدان السرية المصرفية
التبادل الآلي يعني أن بيانات حسابات المغاربة المقيمين في أوروبا أو أمريكا أو الخليج قد تُرسل تلقائياً إلى السلطات الضريبية في تلك البلدان. هذا يثير قلقاً مشروعاً لدى الجالية، خاصة من حيث احترام الخصوصية واحتمال إساءة استعمال المعلومات.
ب. الغرامات والعقوبات
رغم أن المعيار الدولي لا يفرض غرامات بحد ذاته، إلا أن الدول التي ستتلقى هذه البيانات قد تُطبّق قوانينها الوطنية الصارمة ضد من لم يصرّح مسبقاً بمداخيله أو أصوله. هذا قد يعرّض بعض أفراد الجالية لغرامات كبيرة أو إجراءات قضائية.
ج. التأثير على التحويلات المالية
تحويلات الجالية المغربية من الخارج إلى الوطن بلغت أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، وهي تشكل مصدراً أساسياً للعملة الصعبة. أي شعور بعدم الأمان قد يدفع جزءاً من هذه التحويلات إلى قنوات غير رسمية، ما قد يضر بـالاقتصاد الوطني.
موقف الحكومة المغربية
الحكومة المغربية، بعد رفض البرلمان، أعلنت أنها ستواصل المفاوضات مع الشركاء الدوليين، خصوصاً الاتحاد الأوروبي، لإيجاد صيغة تراعي مصلحة المغرب وجاليته. الهدف هو الالتزام بـالمعايير الدولية وتفادي وضع المغرب في قوائم “غير المتعاونين”، مع ضمان الحماية الكافية للبيانات والمعطيات الشخصية.
بعض المسؤولين أشاروا إلى إمكانية اعتماد فترات انتقالية أو استثناءات جزئية، ريثما يتم تهيئة البنوك المغربية والجالية لهذا التحول.
دور الاتحاد الأوروبي
رغم أن المعيار الدولي أُطلق من قبل OECD وG20، إلا أن الاتحاد الأوروبي يولي أهمية كبيرة لتطبيقه. معظم دول الاتحاد طبّقت CRS منذ 2017، وتعتبر التزام المغرب به شرطاً لتعزيز التعاون المالي والمصرفي. وبالتالي، أي تعثر في المصادقة البرلمانية يُنظر إليه في بروكسل بعين القلق.
لكن في الوقت نفسه، الاتحاد الأوروبي يدرك خصوصية وضع المغرب كبلد ذي جالية واسعة منتشرة في أوروبا، وهو ما يفتح المجال لإمكانية التفاوض حول تطبيق تدريجي أو ترتيبات خاصة.
التحديات القانونية والتقنية
تطبيق التبادل الآلي للمعلومات يتطلب بنية تحتية متطورة لدى البنوك والإدارة الضريبية المغربية. يجب ضمان:
– أنظمة معلوماتية آمنة لنقل البيانات.
– تشريعات تحمي المعطيات الشخصية وفق معايير GDPR الأوروبية.
– تكوين الموظفين في البنوك والضرائب على متطلبات CRS.
– غياب هذه المتطلبات قد يؤدي إلى اختلالات أو تسريبات غير مقبولة.
التداعيات المحتملة على المغرب
أ. سمعة مالية دولية
الامتناع عن تطبيق CRS قد يضع المغرب في خانة الدول غير المتعاونة، مما يعرّضه لعقوبات أو قيود على تعاملاته المالية مع الخارج.
ب. جذب الاستثمارات
المستثمرون الأجانب يولون أهمية كبيرة لـالشفافية والالتزام بالمعايير الدولية. أي تعثر في تطبيق الاتفاقية قد يؤثر سلباً على مناخ الاستثمار.
ج. توترات مع مغاربة العالم
التطبيق غير المتدرج قد يولّد توتراً مع الجالية المغربية في الخارج، ما يستدعي تواصلاً حكومياً أفضل لتوضيح المكاسب والضمانات.
القضية تعكس معضلة كلاسيكية: كيف يمكن لدولة مثل المغرب أن توازن بين حماية سيادتها ومصالح مواطنيها بالخارج، وبين التزاماتها الدولية لمحاربة التهرب الضريبي وغسل الأموال؟
من جهة، الالتزام بالاتفاقية ضروري لتفادي عزلة مالية ولتعزيز مكانة المغرب كمركز مالي إقليمي. من جهة أخرى، التطبيق الأعمى دون ضمانات قد يؤدي إلى فقدان ثقة الجالية وإضعاف تحويلاتهم.
السيناريوهات الممكنة للمملكة
من المتوقع أن تستمر المفاوضات بين المغرب وشركائه الأوروبيين والدوليين في 2025 وما بعدها. السيناريوهات الممكنة تشمل:
1. تطبيق تدريجي: يبدأ المغرب بـتبادل المعلومات مع عدد محدود من الدول، مع إعطاء الجالية فترة زمنية لتسوية وضعياتهم.
2. اتفاقيات ثنائية مكمّلة: يمكن للمغرب أن يبرم تفاهمات مع بعض الدول الأوروبية لتحديد قواعد خاصة بشأن المغتربين.
3. ضمانات وطنية: إدماج آليات قانونية لحماية المعطيات الشخصية، وإطلاق حملات تواصلية لـالجالية لشرح الإجراءات وتبديد المخاوف.
المغرب أمام مفترق طرق
ملف التبادل التلقائي للمعلومات البنكية يضع المغرب أمام مفترق طرق استراتيجي. فمن جهة، الانخراط في المعايير الدولية لم يعد خياراً بل ضرورة للحفاظ على مكانة المغرب المالية. ومن جهة أخرى، الحفاظ على مصالح الجالية المغربية بالخارج مسألة حيوية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
التوازن بين هذين البعدين يتطلب رؤية سياسية واضحة، مفاوضات مرنة مع الاتحاد الأوروبي والـOECD، وتهيئة قانونية وتقنية على المستوى الداخلي. النجاح في ذلك سيعزز ثقة المجتمع الدولي بالمغرب، ويحافظ في الوقت ذاته على الرابط المتين بين الوطن وجاليته في العالم.






