
نفى مصطفى التراب، الرئيس المدير العام للمجمع الشريف للفوسفاط OCP، وجود أي نية لخوصصة المجموعة، مؤكداً أن المجمع الشريف للفوسفاط ليس للبيع ولا تخضع هذه المسألة للنقاش. وأوضح التراب أن استراتيجية المجموعة لدفع المجمع الشريف للفوسفاط نحو المراحل المتقدمة في سلسلة القيمة، من خلال إنتاج مشتقات ذات قيمة مضافة عالية، تتطلب استثمارات ضخمة، تم تمويل جزء منها عبر الأسواق الدولية، لكن الجزء الأكبر جاء من السوق البنكي المغربي.
واعتبر، التراب في حوار نشرته الزميلة لوماتان، أن هذا الخيار خطوة استراتيجية مدروسة تستند إلى تعبئة تمويل قوي عبر النظام البنكي الوطني، مشيداً بقدرة البنوك المغربية على دعم طموحات المجمع من خلال مشاركتها في الاكتتابات الدولية، وهو ما يعكس ثقتها ورؤيتها الاقتصادية الوطنية.
وذكر التراب أن النظام البنكي المغربي، الذي اعتمد منذ الاستقلال على قوة واستقرار بدل تقلبات سوق رأس المال، هو الذي ضَمِن استقرار الاقتصاد الوطني بدعم من بنك مركزي يحظى بمصداقية عالمية.
وفي شرح مهمة المجمع الشريف للفوسفاط، أشار مصطفى التراب إلى أن جوهر رسالته يتمثل في ضمان وصول عنصر الفوسفور الحيوي، الأساسي للأمن الغذائي العالمي، وكذلك في منح الفوسفات المغربية قيمتها الحقيقية.
وأضاف أن هذه المهمة ذات بُعدين، محلي ودولي، تعكس التزام المجمع بتحسين استغلال هذا المورد الهام لخدمة الفلاحين والسكان. وأكد أن هذه المسؤولية تتماشى مع تطلعات الوطن، مما يوجّه المجمع لفعل أفضل ما يمكن لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الفوسفات المغربية.
أما بالنسبة للقارة الإفريقية، فسرد التراب أن إفريقيا ليست سوقاً خارجياً فحسب، بل هي موطن وفخر المجمع الشريف للفوسفاط، معبراً عن اعتزازه بالعمل في إفريقيا بروح “الانتماء إلى الدار”، مستشهداً بكلمات الملك محمد السادس عند عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي التي وصف فيها هذه العودة بأنها «جميلة كالمكوث في البيت وبين العائلة».
وأكد على أهمية تسريع التنمية الزراعية في القارة، التي لا تستهلك الأسمدة بالقدر المطلوب مقارنة بحاجياتها، وإسهام المجمع في تعزيز الأمن الغذائي الإفريقي من خلال هذا التسريع.
وفي جانب التعليم والبحث والابتكار، شدد التراب على أن المجمع الشريف للفوسفاط يؤمن بأن الصناعة المستدامة والتنافسية لا تتحققان إلا من خلال استثمار مستمر وعميق في المعرفة والابتكار. وأشار إلى أن التعليم والبحث العلمي يشكلان ركائز استراتيجية لا تقل أهمية عن مناجمه ومصانعه في بناء قدرات المجمع.
واعتبر جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية منصة نموذجية لهذه الرؤية، حيث تعد الذراع البحثي والتطبيقي للمجمع عبر تطوير برامج تتصل مباشرة بالاحتياجات الصناعية والزراعية والبيئية، مثل ابتكار أسمدة تناسب التربة الإفريقية، وتطوير تقنيات معالجة المياه، واعتماد تقنيات صناعية منخفضة البصمة الكربونية، بالإضافة إلى حلول رقمية لتحسين القطاع الزراعي.
وأضاف التراب أن الجامعة ليست مجرد مركز بحثي، بل تشكل دعامة أساسية لتكوين الكفاءات. وتوفر بيئة مستمرة للتعليم والتدريب للمهندسين والباحثين والفنيين ومدراء المشاريع، مما يؤمن تطوير مهاراتهم ومواكبة التكنولوجيا الحديثة والتخصصات الجديدة.
وأوضح أن هذه الرؤية تتجاوز حاجيات المجمع لتشمل الطلاب المغاربة والأفارقة من مختلف الخلفيات، غالباً بمنح دراسية، بهدف أن تصبح الجامعة منارة للمواهب على مستوى القارة، وهو توجه جاء بتوجيه مباشر من الملك محمد السادس لخدمة المغرب وإفريقيا.
وفي سياق حديثه عن قيم المجمع، بيّن التراب أن المجمع الشريف للفوسفاط تبنى فلسفة تقوم على إيمان راسخ بأن صدق القصد والإرادة هو قوة حقيقية، وليس ضعفاً أو سذاجة. وأشار إلى التحول الذي تجريه المجموعة من نموذج العمل الذي يعتمد على المقاولين الخارجيين فقط، إلى منظومة متكاملة تنتج حلولاً مبتكرة بالشراكة مع عدة فاعلين حاضنين للأفكار الجديدة.
وأضاف أن هناك جهوداً كبيرة تُبذل لوضع آليات مالية مبتكرة لدعم هذا النظام البيئي المتنوع، مع التخطيط لعقد مؤتمرات وإنشاء صناديق استثمار مخصصة لدعم هذه المبادرات. وأكد التراب أن مشاركة هذه الفلسفة مع الشركاء تفتح آفاقاً أكبر للابتكار والمخاطرة من أجل تحقيق إنجازات متقدمة.
ورداً على سؤال عن الركيزة الأساسية التي تستند إليها رؤية المجمع، استحضر التراب تجربة مؤثرة خلال زيارته لمنجم خريبكة قبل نحو عشرين عاماً، حيث قال له سائق بلدوزر: «المكمن الحقيقي والأثمن لدينا ليس فقط الفوسفات، بل مواردنا البشرية». وأوضح التراب أن هذه المقولة تعكس بشكل مثالي فلسفة المجمع التي تضع رأس المال البشري في مقدمة أولوياتها، وترى فيه الثروة الحقيقية والقوة الدافعة لكل إنجازات المجموعة.
في المجال الرياضي، بيّن التراب التزام المجمع الشريف للفوسفاط بدعم الرياضة المحلية عبر رعاية أندية في خريبكة والجديدة واليوسفية، مؤكداً الرغبة في احترافية هذا الدعم عبر تأسيس هيكل EVO Sport داخل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، بالتنسيق مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
وأوضح أن الهدف هو بناء منظومة رياضية مستدامة تجعل من الرياضة أداة للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية، مع التركيز على تكوين اللاعبين والمدربين، ودعم المنتخب الوطني، مؤكداً أن استثمار المجموعة في الرياضة يركز على العنصر البشري والالتزام الجماعي بعيداً عن بناء البنية التحتية.
وفيما يخص التحديات التي واجهت الموارد البشرية داخل المجمع، شرح التراب أن الوضع المالي السابق قاد إلى توقف التوظيف وشيخوخة الطاقم، إذ كان معظم الموظفين قريبين من التقاعد، ما استلزم إجراءات عاجلة للانقاذ عبر خلق خطة توظيف واسعة خلال السنوات الخمس الأولى من ولايته، جلبت ألاف الشباب الموهوبين، ما خفض متوسط العمر داخل الشركة من نحو 50 عاماً إلى 35 عاماً، محفزاً تجدد الطاقة والتجديد والابتكار في أروقة المؤسسة. كما أوضح أن تأسيس جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية جاء لمرافقة هذا الجيل الجديد وتأهيله.
وفي الختام، أكد مصطفى التراب رؤيته للمجمع الشريف للفوسفاط في أفق عام 2050، حيث يهدف إلى تعزيز مكانة الفوسفات المغربي عالمياً، مستنداً إلى أن المغرب يمتلك حوالي 70% من احتياطيات الفوسفات الأفضل عالمياً.
وأكد أن هذا يتطلب تنويعاً استراتيجياً يشمل مجالات التعليم والمياه والطاقة ومشتقات الفوسفات، مشيراً إلى أن استثمارات المجمع في مجالي الماء والطاقة جاءت انطلاقاً من الضرورة لضمان استقلالية واستمرارية الإنتاج في ظل تحديات انقطاعات الموارد خلال فترات الجفاف أو اضطرابات الشبكة الكهربائية.
وختم تراب حديثه بقوله إن أعظم ثروة للمغرب هي نساؤه ورجاله، مشيراً إلى أن جميع مبادرات المجمع الشريف للفوسفاط تنطلق من هذا الاعتقاد الراسخ بأن الرأسمال البشري هو أصل التنمية والاستدامة، وإليه تعود كل الإنجازات وما تبقى من مسيرة التطور الاقتصادي والاجتماعي.






