التنمية المستدامةرئيسية

من المختبر إلى الحقول: “المثمر” يرسم ملامح مستقبل الإرشاد الزراعي والابتكار في إفريقيا

في ظل التحديات المناخية المتزايدة التي تهدد الأمن الغذائي العالمي وتضغط على النظم الزراعية الإفريقية، احتضنت جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بمدينة بنجرير، اليوم الاثنين، مؤتمراً دولياً بعنوان “الإرشاد الزراعي ودوره في نقل التكنولوجيا وتعزيز النظم الغذائية المرنة في إفريقيا”.

اللقاء، المنظم في إطار الدورة التاسعة عشرة من مختبر الابتكار الزراعي “المثمر”، شكّل فضاءً فكرياً وعلمياً جمع أكثر من مائة وخمسين مشاركاً من باحثين وخبراء دوليين ومسؤولين ومهنيين وفلاحين، يمثلون عدداً من الدول، من بينها المغرب ونيجيريا والهند والولايات المتحدة، بهدف بحث سبل تعزيز التكامل بين المعرفة العلمية والممارسة الميدانية لتحقيق تحول مستدام في الزراعة الإفريقية.

انعقد المؤتمر في سياق عالمي يواجه فيه القطاع الزراعي تحديين حاسمين: القضاء على الجوع والعمل من أجل المناخ، وأكد المشاركون أن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل التقدم العلمي إلى حلول عملية قابلة للتطبيق في الحقول، وأن نقل المعرفة والتكنولوجيا يمثل الجسر الذي يربط المختبرات بالمزارعين.

وتركزت نقاشات المؤتمر حول تطوير منظومات إرشاد زراعي حديثة تسهم في تيسير انتقال الابتكارات نحو الفلاحين، وتناول المشاركون موضوعات متعددة أبرزها تعزيز التواصل بين البحث العلمي والممارسة الميدانية، وتشجيع الابتكار لبناء نظم زراعية تتمحور حول المزارع، واستثمار التقنيات الحديثة، وتمكين النساء والشباب من المساهمة في الابتكار الزراعي، واستعراض التجربة المغربية في التسميد المعقلن وفق مقاربة “الأربعة R“: الجرعة، والمكان، والوقت، والمصدر المناسب.

وخلال الجلسة الحوارية الأولى قال نوفل رودياس، مدير برنامج “المثمر” بجامعة محمد السادس، “إن مبادرة “المثمر” التي أطلقتها مجموعة المجمع الشريف للفوسفاط سنة 2018 لتشجيع الممارسات الفلاحية المسؤولة وتعزيز استعمال الأسمدة، التحقت بالجامعة سنة 2022 ضمن مهمة جديدة تربط بين العلم والميدان، موضحاً أن هذا التحول يرتكز على ثلاثة مبادئ أساسية: أولها اعتماد الممارسات الزراعية على أسس علمية بفضل التعاون مع الكلية واللجنة العلمية. وثانيها، التواصل اليومي مع الفلاحين عبر منصات تفاعلية مثل “مجتمع الممارسات”. أما المبدا الثالث فينص على إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص لأن نجاح الإرشاد الزراعي رهين بتكامل الجهود”.

من جهته، أكد مصطفى البوحسيني، نائب عميد البحث بكلية الزراعة وعلوم البيئة، “أن تطوير التقنيات يجب أن يتم عبر مسار متكامل يبدأ من التصميم والتجريب وصولاً إلى تكييفها مع الخصوصيات المناخية والزراعية المحلية، مضيفاً أن البقاء في المكاتب دون النزول إلى الحقول خطأ جسيم. وأشار إلى تجربة في المعهد الوطني للبحث الزراعي، حيث طورت فرق البحث أصنافاً مقاومة للحشرات لكنها لم تحقق النتائج المرجوة بسبب الأعشاب الطفيلية الناتجة عن الأسمدة المستعملة، موضحاً أن النجاح الزراعي يتطلب مقاربة نظامية شاملة تدفع المنظومة بأكملها نحو التغيير”.

وشدد المشاركون على أن الزراعة في إفريقيا تمر اليوم بلحظة حاسمة تستدعي أنماطاً جديدة من الابتكار والبحث التطبيقي والإرشاد الفعال، ودعوا إلى تعزيز التعاون بين دول الجنوب وتبادل التجارب وتطوير القدرات البشرية والتقنية لتمكين الفلاحين من أدوات الصمود وتحقيق التنمية الزراعية المستدامة.

تضمّن الحدث فضاءً تفاعلياً بعنوان “AGSHOWCASE”، عرضت فيه أحدث الابتكارات والحلول التقنية، مما أتاح للمزارعين والباحثين والفاعلين فرصة معاينة تطبيقات عملية للبحث العلمي في بيئة حقلية واقعية، وشكّل منصة للتواصل المباشر بين مختلف الأطراف.

ويعد مؤتمر بنجرير محطة أولى نحو تنظيم مؤتمر إفريقي شامل سنة 2026 يهدف إلى وضع سياسات زراعية قارية تضمن الأمن الغذائي وتدعم قدرة إفريقيا على مواجهة التغيرات المناخية برؤى علمية وتطبيقية متكاملة.

ويجسد هذا الحدث الرؤية المغربية التي تضع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ومبادرة “المثمر” في صميم جهود التحول الزراعي بإفريقيا، من خلال تحويل العلم إلى أثر ملموس على الأرض، وجعل الفلاح محور التنمية ورائد الابتكار الاقتصادي والاجتماعي في القارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى