رئيسيةمتابعات

أفروبارومتر: أزمة ثقة عميقة بين الشباب المغربي والمؤسسات

تعكس أحدث المعطيات الصادرة عن أفروبارومتر Afrobarometer بخصوص وضعية الشباب في المغرب تحولات عميقة في طبيعة العلاقة بين هذه الفئة والمؤسسات السياسية، حيث تؤكد النتائج وجود تراجع ملموس في مستويات الثقة مقابل تصاعد إدراك انتشار الفساد، إلى جانب بروز أنماط جديدة من الانخراط السياسي خارج القنوات التقليدية، خاصة عبر الفضاء الرقمي وأشكال التعبئة الاحتجاجية.

وتفيد البيانات التحليلية لـ أفروبارومتر بأن الفئة العمرية ما بين 18 و35 سنة تُبدي مستويات ثقة أدنى بكثير مقارنة بباقي الفئات، خصوصاً تجاه الأحزاب السياسية والبرلمان والمجالس المنتخبة، وهو ما يتقاطع مع مؤشرات إدراك مرتفعة لانتشار الفساد داخل هذه المؤسسات. ويظهر من خلال النتائج أن العلاقة بين الثقة وإدراك الفساد علاقة عكسية واضحة، إذ كلما ارتفعت قناعة الشباب بانتشار ممارسات غير شفافة لدى المسؤولين العموميين، تراجعت ثقتهم في جدوى المشاركة السياسية وفي مصداقية الفاعلين المؤسساتيين.

وتبرز معطيات أفروبارومتر أن نسبة معتبرة من الشباب تميل إلى الاعتقاد بأن جزءاً مهماً من المنتخبين، سواء على المستوى المحلي أو الوطني، متورطون في ممارسات فساد، حيث يصل هذا التصور لدى فئة منهم إلى حد اعتبار أن “معظم” المسؤولين معنيون بهذه الظاهرة، وهي نسب تفوق بشكل ملحوظ تلك المسجلة لدى الفئات الأكبر سناً. ويرى خبراء أن هذا الإدراك المرتفع لا ينفصل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه الشباب، والموسوم بارتفاع معدلات البطالة والهشاشة، ما يعزز الإحساس بعدم تكافؤ الفرص وانسداد آفاق الترقي الاجتماعي.

وفي ما يتعلق بالمشاركة السياسية، تؤكد نتائج استطلاع أفروبارومتر استمرار ضعف انخراط الشباب في الأطر التنظيمية الكلاسيكية، حيث تظل نسب العضوية في الأحزاب السياسية والنقابات محدودة للغاية، مقابل حضور متزايد في أشكال بديلة للتعبير، تشمل التظاهر، الحملات المدنية، والمشاركة الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول يعكس، بحسب باحثين، انتقالاً من نموذج المشاركة المبني على الانتماء الحزبي إلى نموذج قائم على التعبير المباشر والمرن، حيث يفضل الشباب التفاعل مع القضايا العامة بشكل آني وغير مؤطر تنظيمياً.

وتكشف المعطيات كذلك عن مفارقة لافتة، تتمثل في استمرار تمسك الشباب بالمبادئ الديمقراطية الأساسية، رغم ضعف ثقتهم في المؤسسات القائمة على تطبيقها. إذ تعبر نسبة مهمة منهم عن دعم واضح لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضرورة خضوع السلطة التنفيذية لرقابة البرلمان، فضلاً عن التأكيد على أهمية احترام القانون، حتى في ظل تقييم سلبي لمستوى تنزيل هذه المبادئ على أرض الواقع. هذا التباين بين القيم والممارسة يعكس، وفق محللين، وجود رصيد قيمي ديمقراطي لدى الشباب، لكنه غير مترجم إلى ثقة مؤسساتية.

كما يسلط استطلاع Afrobarometer الضوء على ضعف قنوات التواصل بين الشباب والفاعلين السياسيين، حيث تشير المعطيات إلى محدودية التفاعل المباشر مع النواب والمنتخبين المحليين ومسؤولي الأحزاب. وتؤكد دراسات وطنية موازية صادرة عن Association Citoyens أن حوالي سبعة من كل عشرة شباب يصرحون بعدم ثقتهم في المؤسسات التمثيلية، مرجعين ذلك إلى غياب آليات فعالة للإصغاء وإشراكهم في إعداد السياسات العمومية.

ويعبّر جزء واسع من الشباب، وفق هذه الدراسات، عن شعور متزايد بالتهميش داخل الحقل السياسي، حيث يُنظر إليهم غالباً كفئة مستهدفة ببرامج التأطير أو التحسيس، بدل اعتبارهم فاعلين حقيقيين في صناعة القرار. هذا الإحساس يدفع عدداً منهم إلى نقل تفاعلاتهم السياسية نحو الفضاء الرقمي، الذي أصبح مجالاً بديلاً للنقاش والتعبئة والتأثير، في ظل ما يصفه بعض الباحثين بـ”الاحتقار الرمزي” داخل القنوات التقليدية.

وتتلاقى نتائج أفروبارومتر مع أدبيات أكاديمية حديثة تشير إلى وجود أزمة تمثيلية متفاقمة في علاقة الشباب بالمؤسسات الحزبية والمنتخبة في المغرب، حيث تسجل تراجعاً مستمراً في نسب المشاركة الانتخابية والانخراط التنظيمي، مقابل استمرار الاهتمام بالقضايا العامة. غير أن هذا الاهتمام يتخذ أشكالاً جديدة، تتراوح بين المبادرات المدنية المستقلة، والحملات الرقمية، والحركات الاحتجاجية ذات الطابع المحلي أو الفئوي.

أفروبارومتر.. إعادة بناء الثقة رهينة بالقدرة على تعزيز الشفافية

وتخلص مختلف هذه المؤشرات إلى أن الإشكال لا يرتبط بعزوف الشباب عن السياسة بقدر ما يعكس تحوّلاً في طرق ممارستها، في سياق يتسم بضعف الوساطة الحزبية، وتراجع الثقة في المؤسسات، وغياب حوافز كافية لتحفيز المشاركة المنظمة. كما تشير إلى أن إعادة بناء هذه الثقة تظل رهينة بقدرة الفاعلين العموميين على تعزيز الشفافية، وتوسيع قنوات المشاركة، وإدماج الشباب بشكل فعلي في مسارات اتخاذ القرار، بما يتلاءم مع التحولات الرقمية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى