أسواقرئيسية

بنك المغرب يسرّع نحو الدرهم الرقمي ويشدد الخناق على “الكاش” مع اقتراب تنظيم العملات المشفرة

أكد والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري أن مشروع الدرهم الرقمي دخل مرحلة متقدمة من الدراسة، غير أن إطلاقه الفعلي يظل رهيناً بأفق زمني متوسط إلى طويل يمتد لعدة سنوات، بالنظر إلى تعقيداته التقنية والتنظيمية، وارتباطه الوثيق بإعادة هيكلة منظومة المدفوعات الوطنية وتعزيز الثقة في الأدوات الرقمية.

وأوضح أن الأولوية الحالية تتركز على تقليص الاعتماد المرتفع على النقد الورقي، الذي سجل منحى تصاعدياً خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت الكتلة النقدية المتداولة خارج القنوات البنكية بوتيرة لافتة، بلغت نحو 8 في المائة خلال منتصف 2025، مع توقعات بوصولها إلى حوالي 162 مليار درهم في أفق نهاية 2026، وهو مستوى يعكس استمرار هيمنة “الكاش” في المعاملات اليومية، رغم الجهود المبذولة لتوسيع استعمال وسائل الأداء الإلكترونية.

وأشار الجواهري إلى أن بنك المغرب أنهى دراسة شاملة حول تداول النقد، تم رفعها إلى رئاسة الحكومة، وتتضمن مقترحات عملية لإدماج جزء مهم من السيولة المتداولة خارج النظام البنكي في الدورة المالية الرسمية، بما يسمح بتوجيهها نحو تمويل الاقتصاد، خاصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من صعوبات في الولوج إلى التمويل.

وفي موازاة ذلك، كشف الوالي عن استكمال مشروع قانون ينظم الأصول المشفرة، والذي تم نشره عبر الأمانة العامة للحكومة في إطار مسطرة استشارة عمومية، تمهيداً لإحالته على البرلمان في مرحلة لاحقة. ويهدف هذا الإطار القانوني إلى وضع قواعد واضحة لتداول العملات الرقمية، والحد من المخاطر المرتبطة بها، خاصة ما يتعلق بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ويستند المشروع جزئياً إلى تجارب دولية، من بينها الإطار التنظيمي الأوروبي المعروف بـMiCA، مع إدخال تعديلات تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات السوق المغربية، سواء من حيث مستوى الشمول المالي أو طبيعة استخدامات الأصول الرقمية، ما يجعله خطوة أساسية نحو إنهاء حالة الغموض القانوني التي ظلت تحيط بهذا المجال لسنوات.

وفي سياق متصل، شدد الجواهري على أن تطوير المدفوعات الرقمية، خصوصاً عبر الهاتف المحمول، يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية تحديث النظام المالي، مبرزاً أن التحدي لا يكمن فقط في توفير البنية التحتية، بل في تغيير سلوك المستهلكين والتجار، وتشجيع اعتماد الأداء الإلكتروني في المعاملات اليومية، من الأداءات الصغيرة إلى الخدمات الكبرى.

وأضاف أن بنك المغرب يشتغل حالياً على حزمة إجراءات سريعة للحد من تداول النقد خارج القنوات الرسمية، لما لذلك من تأثير سلبي على فعالية السياسة النقدية، وصعوبة تتبع التدفقات المالية، فضلاً عن الكلفة المرتفعة المرتبطة بطباعة وتدبير العملة الورقية.

وبخصوص وضعية الدرهم، أكد الجواهري أن استقراره يستند إلى متانة المؤشرات الماكرو-اقتصادية، بما في ذلك التحكم في مستويات الدين العمومي، وتحسن توازنات المالية العمومية، إضافة إلى احتياطيات مريحة من العملة الصعبة، ما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات الخارجية.

كما أشار إلى أن السياسة النقدية التي يعتمدها بنك المغرب ساهمت في تعزيز ثقة المؤسسات المالية الدولية، وهو ما انعكس في تحسن تصنيف المغرب إلى درجة الاستثمار من طرف عدد من وكالات التنقيط، إلى جانب الحفاظ على خط الائتمان المرن مع International Monetary Fund، الذي يتيح للمملكة إمكانية الولوج الفوري إلى التمويلات دون شروط مسبقة.

ويُعد هذا الخط من الآليات المالية النادرة على الصعيد العالمي، إذ لا تستفيد منه سوى تسع دول، وقد سبق للمغرب أن فعّله سنة 2020 في سياق تداعيات جائحة كوفيد-19، عبر سحب ما يقارب 3 مليارات دولار لدعم احتياطياته وتمويل حاجياته الطارئة.

وتعكس هذه التطورات مجتمعة توجهاً استراتيجياً نحو إعادة هيكلة المنظومة المالية الوطنية، يقوم على تسريع الرقمنة، وتقليص الاقتصاد غير المهيكل، وتعزيز الشفافية، بما يواكب التحولات العالمية في مجال المال الرقمي، ويمهد لإدماج تدريجي للدرهم الرقمي ضمن النظام النقدي في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى