رئيسيةوجهات نظر

زيدان.. الوزير المرشح!

لم يعد ممكنا التعامل مع الزيارات الميدانية للوزراء باعتبارها مجرد امتداد طبيعي للعمل الحكومي أو جزءا من التواصل المؤسساتي الروتيني. ما يحدث اليوم في عدد من الأقاليم يكشف انزلاقا تدريجيا نحو توظيف المنصب التنفيذي كأداة تموقع سياسي وانتخابي مبكر، يُمارس داخل المجال الترابي نفسه الذي يُفترض أنه مجال خدمة عمومية محايدة.

حالة كريم زيدان في اليوسفية لم تكن مجرد خبر ترشيح داخل حزب سياسي. كانت لحظة كاشفة لخلل أعمق: وزير ما يزال في موقع المسؤولية الحكومية، يتحرك ميدانيا بكثافة داخل إقليم محدد، ثم يُعلن في الآن نفسه مرشحا فيه. هنا لا يعود الفصل بين “الصفة الحكومية” و“الصفة الانتخابية” واضحا، بل يصبح ضبابيا إلى درجة التداخل. المشكلة ليست في الترشح نفسه، بل في السياق الذي يُبنى فيه هذا الترشح، وبالأدوات التي تُستعمل لتهيئته مسبقا داخل المجال العام.

اللافت أن نفس النمط يتكرر بأشكال مختلفة عند عدد من الوزراء، حتى دون إعلان ترشيحات رسمية. نفس الوتيرة المرتفعة للزيارات الميدانية، نفس التركيز على الأقاليم ذات الحمولة الانتخابية أو الاجتماعية الحساسة، نفس الخطاب المرافق: “القرب من المواطن”، “الإنصات للساكنة”، “تنزيل المشاريع على الأرض”. هذه العبارات التي تبدو في ظاهرها بريئة ومثالية، تتحول في السياق المتكرر إلى لغة سياسية وظيفتها الأساسية ليست الشرح، بل صناعة صورة.

حين تتشابه أدوات التواصل إلى هذا الحد، وحين تتكرر نفس الزيارات بنفس الإيقاع ونفس الرمزية، يصبح من المشروع طرح سؤال أبعد من التفاصيل: هل نحن أمام عمل حكومي عادي، أم أمام إعادة توزيع مبكر للنفوذ السياسي داخل التراب الوطني، يتم من داخل الدولة نفسها؟

الإشكال الحقيقي لا يكمن في الزيارة الوزارية كفعل إداري، بل في تحولها إلى “رأسمال رمزي انتخابي” يُراكم بهدوء. الوزير لا يأتي فقط لتفقد مشروع أو إطلاق برنامج، بل يترك وراءه أثرا سياسيا: صور، لقاءات، حضور مباشر، علاقة شخصية مع المنتخبين والفاعلين المحليين، وكلها عناصر تُخزن داخل الذاكرة السياسية للإقليم. ومع تكرار هذا النمط، تتحول الزيارة من أداة تدبير إلى أداة تموقع.

هذا التحول خطير لأنه يعيد رسم الحدود بين الدولة والسياسة بشكل غير معلن. في الأصل، يفترض أن يتحرك الوزير باعتباره ممثلا للسلطة التنفيذية، ملتزما بالحياد تجاه التنافس السياسي المحلي. لكن حين يتحول نفس الفاعل إلى مرشح محتمل داخل نفس المجال الذي يديره أو يزوره بكثافة، فإن مبدأ تكافؤ الفرص السياسية يبدأ في التآكل تدريجيا، حتى دون إعلان صريح عن ذلك.

الأخطر أن هذا المسار لا يُقدَّم للرأي العام كما هو. بل يُغلف بخطاب مثالي متكرر: القرب، الإنصات، التنمية المندمجة، تنزيل البرامج، الاهتمام بالعالم القروي. خطاب يبدو إيجابيا في ظاهره، لكنه أصبح قناعا لغويا جاهزا لإعادة إنتاج نفس الفعل السياسي: التمركز الميداني المسبق داخل دوائر نفوذ محتملة.

في حالة اليوسفية، ظهر هذا التداخل بشكل فاضح، لأن إعلان الترشح جاء متزامنا مع ارتفاع منسوب الحضور الميداني. لكن الأخطر ليس الحالة الفردية، بل إمكانية تحولها إلى نمط. حين يصبح مقبولا ضمنيا أن بعض الدوائر تُبنى سياسيا من داخل الوزارات، عبر الزيارات والتدشينات والتواصل المكثف، فإننا نكون أمام إعادة تشكيل هادئة لقواعد اللعبة السياسية.

هذا الوضع يخلق اختلالا بنيويا لا يمكن تجاهله. فالمنافسة الانتخابية، لكي تكون ذات معنى، تفترض مسافة واضحة بين الدولة كجهاز تدبير، وبين الفاعلين السياسيين المتنافسين. أما حين يُستعمل الموقع الحكومي نفسه لبناء الشرعية الانتخابية في نفس الوقت، فإننا ننتقل من التنافس إلى التموقع غير المتكافئ.

اللافت أيضا هو توحيد الخطاب عبر مختلف القطاعات. نفس المفردات، نفس الإيقاع، نفس الصور السياسية: وزير في الميدان، زيارة لتعاونية، لقاء مع الساكنة، تدشين مشروع، تصريح عن القرب والإنصات. هذا التشابه ليس مجرد صدفة تواصلية، بل يعكس نمطا سياسيا واحدا في إدارة الصورة العمومية للسلطة التنفيذية داخل المجال الترابي.

النتيجة هي تضخم غير طبيعي في “الحضور الرمزي للدولة” داخل بعض الأقاليم، لكن ليس كدولة محايدة، بل كفاعل سياسي ينتج تموقعات مبكرة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين تصبح الدولة نفسها جزءا من دينامية بناء النفوذ الانتخابي، حتى دون إعلان رسمي، فإن الثقة في حيادها الرمزي تبدأ في التآكل.

ما نعيشه اليوم ليس مجرد جدل حول زيارات وزارية أو ترشيح هنا أو هناك. إنه اختبار صامت لحدود الفصل بين الوظيفة الحكومية والرهان الانتخابي. وإذا لم يتم الانتباه إلى هذا التداخل في بدايته، فإننا قد نصل إلى مرحلة تصبح فيها الحملة الانتخابية امتدادا طبيعيا للعمل الحكومي، بدل أن تكون لحظة تنافس سياسي مستقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى