أسواقرئيسية

فريق المغرب الفاسي في البورصة.. قراءة في مشروع يختبر حدود الاحتراف المالي في الكرة المغربية

منذ سنوات، ظلت كرة القدم المغربية تتحرك داخل دائرة شبه مغلقة: رؤساء يضخون الأموال، جماعات محلية تدعم، وجماهير تنتظر النتائج. لكن التصريحات الأخيرة لهشام زروقي، المدير العام لنادي المغرب الفاسي، بشأن التوجه نحو دخول البورصة، توحي بأن بعض الأندية بدأت تفكر بمنطق مختلف تماما: كرة القدم كصناعة استثمارية وليست مجرد نشاط رياضي.

زروقي كشف، في حديث لقناة “كنال بلوس” الفرنسية، أن النادي يدرس طرح أسهمه للتداول بهدف استقطاب مستثمرين جدد وتعزيز موارده المالية، بعد مرحلة قال إنها ركزت على إعادة الهيكلة وتسوية الملفات العالقة وبناء فريق تنافسي. ورغم أن المشروع ما يزال في طور التصور، فإن مجرد الإعلان عنه يضع الكرة المغربية أمام نقاش غير مسبوق: هل بدأت الأندية تتحول فعلا إلى شركات تبحث عن الرساميل والأسواق والمساهمين؟

الخطوة، إن تحققت، لن تكون مجرد حدث مالي، بل انقلابا كاملا في فلسفة التسيير الرياضي بالمغرب. لأن دخول البورصة يعني الانتقال من منطق “النادي الذي يستهلك الأموال” إلى “النادي الذي يبيع قيمة اقتصادية للمستثمرين”. أي أن الفريق لن يطلب الدعم فقط، بل سيحاول إقناع السوق بأنه قادر على النمو وتحقيق العائد.

وهنا تحديدا تكمن حساسية المشروع. ففي القطاعات التقليدية، يشتري المستثمر أسهما في شركة تتوفر على مؤشرات واضحة: رقم معاملات، أرباح، أصول، توقعات نمو. أما في كرة القدم، فالأمر أكثر تعقيدا. قيمة النادي ترتبط أيضا بعوامل غير مستقرة: النتائج الرياضية، شعبية الفريق، عقود الرعاية، بيع اللاعبين، وحتى المزاج الجماهيري.

لهذا، فإن حديث المغرب الفاسي عن البورصة يفتح أسئلة ثقيلة أكثر مما يقدم أجوبة جاهزة. كيف سيتم تقييم النادي؟ هل بناء على تاريخه وجماهيريته؟ أم على أصوله ومداخيله؟ وهل السوق المالية المغربية مستعدة أصلا لاستقبال أصل استثماري بهذه الطبيعة المتقلبة؟

الأهم من ذلك أن البورصة ليست مجرد وسيلة لجمع الأموال، بل منظومة كاملة من القواعد الصارمة. أي ناد يريد دخول السوق سيكون مضطرا إلى نشر تقاريره المالية، الخضوع للتدقيق، الكشف عن ديونه والتزاماته، وتقديم صورة واضحة عن طريقة صرف الأموال ومصادر المداخيل. وهي نقطة حساسة داخل كرة القدم المغربية التي ظلت لسنوات مرتبطة بتسيير ضبابي وصراعات داخلية وديون متراكمة.

ومن هنا يبدو أن الرسالة الحقيقية خلف تصريحات زروقي ليست مالية فقط، بل أيضا تسويقية ومؤسساتية. النادي يريد أن يقدم نفسه كعلامة رياضية حديثة قادرة على جذب المستثمرين، في وقت بدأت فيه كرة القدم تتحول عالميا إلى صناعة قائمة بذاتها، تتقاطع فيها الرياضة مع المال والإعلام والتكنولوجيا والتسويق.

السياق بدوره ليس معزولا. فالمغرب يعيش منذ سنوات على وقع تحول كبير في قطاع الرياضة، خصوصا مع المشاريع المرتبطة بتنظيم كأس العالم لسنة 2030. الدولة تستثمر في الملاعب والبنيات التحتية، والقطاع الخاص بدأ ينظر تدريجيا إلى كرة القدم كمساحة استثمارية وليس فقط كواجهة إشهارية. وفي هذا المناخ، يبدو منطقيا أن تظهر أندية تفكر بمنطق السوق المالية.

لكن التجارب الدولية تظهر أيضا أن الطريق ليست سهلة. فحتى في أوروبا، اصطدمت أندية مدرجة في البورصة بمشكلة التوفيق بين منطق الربح ومنطق الرياضة. المستثمر يريد نتائج مالية مستقرة، بينما كرة القدم بطبيعتها عالم متقلب قد تسقط فيه قيمة النادي بسبب موسم سيئ أو إخفاق رياضي واحد.

كما أن دخول البورصة قد يغير حتى علاقة الجمهور بالنادي. فالمشجع قد يتحول مستقبلا إلى مساهم يراقب قيمة السهم بقدر ما يتابع نتائج الفريق، وهو تحول يعكس كيف بدأت كرة القدم تفقد تدريجيا صورتها التقليدية كنشاط عاطفي صرف، لتتحول إلى منتج اقتصادي متكامل.

ورغم كل التحفظات، فإن مجرد خروج مسؤول داخل المغرب الفاسي للحديث علنا عن البورصة يكشف أن جزءا من النخبة المسيرة للأندية بدأ يدرك أن النموذج القديم وصل إلى حدوده. الدعم وحده لم يعد كافيا، والرئيس الممول لم يعد حلا دائما، والجماهير أصبحت تطالب بنتائج واستقرار وهيكلة حديثة.

لهذا، فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل سيدخل المغرب الفاسي البورصة؟ بل: هل بدأت كرة القدم المغربية أخيرا تتخلى عن عقلية الهواية لتدخل فعليا عصر الاقتصاد الرياضي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى