تحقيقاترئيسية

وكالة AMDIE تحت المجهر: OECD تفكك حقيقة الأرقام المعلنة (الحلقة 4)

لم يعد النقاش حول أرقام الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات AMDIE شأنا داخليا محصورا في قراءة البلاغات الرسمية أو التأويلات الإعلامية. فمع توالي السنوات، بدأت نفس الإشكالات تظهر، بشكل متقاطع، في تقارير مؤسسات دولية مختلفة، لا يجمعها المنهج نفسه ولا زاوية النظر نفسها، لكنها تصل، بشكل لافت، إلى الخلاصة نفسها: الفجوة بين ما يُعلن وما يتحقق ليست تفصيلاً، بل بنية قائمة في طريقة قياس الاستثمار نفسه.

في تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، يظهر النقد من داخل المنهجية. المنظمة لا تشكك في جاذبية المغرب ولا في ديناميته الصناعية، لكنها تسجل ملاحظة دقيقة: مؤشرات الأداء المعتمدة تركز بشكل مفرط على النشاط بدل النتيجة. عدد اللقاءات، البعثات، الاتفاقيات، كلها تُحتسب ضمن الإنجاز، بينما يظل الاستثمار المنجز فعلياً ومناصب الشغل المستدامة أقل حضوراً في منظومة القياس. بمعنى آخر، ما يُقاس هو الحركة، لا أثرها الاقتصادي النهائي.

أما مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD، فيتدخل من زاوية مختلفة تماماً: زاوية الأرقام الصلبة. لا تنظر إلى الاتفاقيات ولا إلى النوايا، بل إلى تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر كما تدخل فعلياً إلى الاقتصاد. وهنا يحدث أول تصحيح جذري للصورة.

الأرقام التي تُقدَّم وطنياً في صيغة مئات المليارات، تنكمش داخل جداول UNCTAD إلى مستويات أدق بكثير، لأنها تستبعد كل ما لم يتحول بعد إلى تدفق مالي حقيقي. ليس نفياً للاستثمار، بل إعادة تعريف له: ما لم يدخل فعلياً إلى الاقتصاد لا يُحتسب كاستثمار مكتمل.

إقرأ المزيد

أرقام AMDIE: هل نصنع استثمارات أم نصنع صورة للاستثمار؟

في تقارير البنك الدولي World Bank، ينتقل النقاش من مستوى الأرقام إلى مستوى الواقع الميداني. البنك لا يكتفي بقراءة المؤشرات، بل يختبر البيئة التي يُفترض أن تتحول فيها هذه الأرقام إلى مشاريع قائمة. وهنا تظهر إشكالات من نوع مختلف: تعقيد المساطر، تفاوت تنزيل السياسات بين الجهات، وبطء تحويل المشاريع المعلنة إلى استثمارات منتجة فعلياً. بمعنى آخر، حتى عندما تكون الأرقام إيجابية على الورق، فإن مسار تحويلها إلى مصانع ووظائف وسلاسل إنتاج يمر عبر زمن أطول بكثير مما توحي به البلاغات.

أما صندوق النقد الدولي IMF، فيتعامل مع المسألة من زاوية الجودة الاقتصادية. فالمعيار ليس حجم الاستثمار فقط، بل أثره الكلي على الاقتصاد. ليس كل تدفق رأسمالي يخلق نفس القيمة المضافة. بعض الاستثمارات، رغم ضخامة حجمها، تبقى محدودة الأثر من حيث الإنتاجية، أو الاندماج في النسيج الاقتصادي المحلي، أو خلق سلاسل قيمة داخلية. هنا يتحول السؤال من كم استثمرنا إلى ماذا ينتج هذا الاستثمار بعد دخوله.

في تقارير البنك الإفريقي للتنمية African Development Bank، يرتفع التحليل إلى مستوى أكثر تركيباً: التحول الهيكلي. الاستثمار لا يُقاس فقط بتدفقه، بل بقدرته على إعادة تشكيل بنية الاقتصاد. هل يساهم في الانتقال من أنشطة منخفضة القيمة إلى صناعات متقدمة؟ هل يعزز التصنيع؟ هل يخلق سلاسل إنتاج محلية بدل الاكتفاء بالتجميع أو الاستيراد؟ هنا يصبح الاستثمار أداة تغيير بنيوي، وليس مجرد رقم مالي.

عند وضع هذه القراءات الخمس جنباً إلى جنب، تتشكل صورة واحدة رغم اختلاف الزوايا: المشكلة ليست في وجود الاستثمار، بل في طريقة قياسه وتقديمه وتفسيره. كل مؤسسة تنظر من زاوية مختلفة، لكن جميعها تلتقي عند نفس النقطة الحساسة: المؤشر الرسمي يخلط بين مستويات مختلفة من الواقع الاقتصادي داخل رقم واحد، بينما التحليل الدولي يسعى إلى تفكيك هذه المستويات وفصلها.

في ما يأتي سنركز على تقارير منظمة OECD، وبشكل خاص تقريرها حول مراجعة سياسات الاستثمار بالمغرب الصادر بتاريخ 4 يوليوز 2024، لأنها لا تكتفي برصد دينامية الاستثمار، بل تعيد تفكيك طريقة قياسه نفسها، من خلال التمييز بين النشاط والنتيجة، وبين الإعلان والأثر الفعلي، في حين أن بقية المؤسسات تنطلق أساساً من زوايا مختلفة: إما الأرقام الصافية للتدفقات، أو تقييم الأثر الميداني، أو قياس الجودة الاقتصادية والتحول البنيوي، دون الدخول بالعمق نفسه في إشكالية منهجية القياس داخل المنظومة نفسها.

استثمار أم نشاط؟ تحديات قياس AMDIE في تقرير OECD
استثمار أم نشاط؟ تحديات قياس AMDIE في تقرير OECD

ما يبدو في الواجهة الرسمية قصة نجاح متماسكة في جذب الاستثمار، يتحول عند قراءة خلاصات OECD إلى سؤال أكثر تعقيداً: ليس ماذا تحقق، بل كيف يُقاس ما تحقق. في هذا المستوى تحديداً، لا يهاجم التقرير التجربة المغربية، ولا يشكك في ديناميتها، لكنه يفعل شيئاً أكثر إزعاجاً: يعيد ترتيب زوايا النظر، بحيث تظهر نفس الأرقام تحت ضوء مختلف تماماً. وهنا تبدأ الفجوة بين ما يُعلن وما يمكن التحقق منه اقتصادياً.

أول ما يلفت الانتباه في قراءة المنظمة هو ما يمكن تسميته تضخم الدور. الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات AMDIE لا تُقدَّم فقط كوكالة ترويج كلاسيكية، بل كفاعل متعدد الوظائف: تسويق دولي، دعم الصادرات، تنسيق مع الجهات، مساهمة في تنزيل السياسات العمومية، بل وحتى طرف في النقاش الاستراتيجي حول تموقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية.

هذا الاتساع يبدو في الظاهر دليلاً على قوة وكالة AMDIE، لكنه في العمق يخلق منطقة رمادية يصعب داخلها تحديد من يفعل ماذا. حين يتم الإعلان عن استثمار جديد، هل يعود ذلك إلى فعالية الترويج؟ إلى تحسن مناخ الأعمال؟ إلى حوافز ضريبية أقرتها الحكومة؟ أم إلى قرار استراتيجي لشركة دولية مرتبط بسوق أوسع من المغرب نفسه؟ التقرير لا يقدم جواباً مباشراً، لكنه يلمّح إلى أن تعدد الأدوار يجعل نسب الفضل أو المسؤولية مسألة غامضة، وهو ما ينعكس مباشرة على طريقة احتساب النتائج.

في هذا السياق، تظهر مفارقة أساسية: كلما اتسع دور AMDIE، كلما صعب قياس أثرها بدقة. لأن القياس يفترض حدوداً واضحة، بينما الواقع المؤسسي الذي تصفه OECD يقوم على تداخل الاختصاصات. هذا التداخل لا يعني بالضرورة خللاً، لكنه يخلق ما يمكن وصفه بالضباب المؤسسي، حيث تصبح الأرقام نتيجة جماعية لمنظومة كاملة، لكنها تُنسب في الخطاب إلى جهة واحدة.

النقطة الثانية التي يثيرها التقرير، بشكل أقل مباشرة لكن أكثر عمقاً، تتعلق بتحول وظيفة الترويج نفسها. في النماذج الكلاسيكية، الترويج هو وسيلة: أداة لجذب المستثمرين، خطوة أولى ضمن سلسلة تنتهي بمشروع قائم ووظائف محدثة وقيمة مضافة داخل الاقتصاد. لكن ما تلاحظه OECD هو أن الترويج، في الحالة المغربية، بدأ يتحول تدريجياً إلى غاية قائمة بذاتها. إطلاق وكالة AMDIE لعلامة Morocco Now، تكثيف الحضور في المعارض الدولية، تنظيم بعثات اقتصادية في عشرات الأسواق… كلها عناصر تُقاس وتُعرض كمؤشرات أداء، رغم أنها في الواقع تقيس النشاط لا الأثر.

هنا تحديداً تظهر واحدة من أكثر المفارقات حساسية: يمكن لمنظومة الترويج أن تنجح في إنتاج كثافة عالية من النشاط، وأن تبني حضوراً دولياً قويا، وأن تخلق انطباعا عاماً بالنجاح، دون أن يكون هذا النجاح قد تحول بالكامل إلى استثمار فعلي. التقرير لا يقول إن هذا يحدث دائماً، لكنه يضع إطاراً نظرياً يسمح بفهم كيف يمكن أن يحدث. الفرق بين النشاط والنتيجة ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو خط فاصل بين اقتصادين: اقتصاد الحركة، واقتصاد النتيجة.

إقرأ المزيد

البنيات التحتية في حملة “Morocco Now”.. هذا ترتيب المملكة الفعلي!

حين يتم الإعلان عن عشرات أو مئات اللقاءات مع مستثمرين، فهذا يعكس جهداً حقيقياً. لكن هذا الجهد لا يتحول تلقائياً إلى استثمار. وحين يتم توقيع مذكرات تفاهم بمليارات الدراهم، فهذا يعكس اهتماماً فعلياً. لكن هذا الاهتمام لا يتحول تلقائياً إلى مشاريع قائمة. هذا اللا تلقائي هو بالضبط ما يسلط عليه التقرير الضوء: غياب الربط المنهجي بين كل مرحلة من مراحل الاستثمار.

وهنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية في تحليل OECD: طبيعة المؤشرات نفسها. ما يُقاس داخل منظومة AMDIE، كما يلمّح التقرير، لا يعكس دائماً ما يجب قياسه. التركيز على عدد الاتفاقيات، عدد البعثات، حجم المشاريع المعلنة… يعطي صورة ديناميكية، لكنه لا يسمح بفهم الأثر الحقيقي. لأن هذه المؤشرات تقف عند لحظة الإعلان، بينما الأثر الاقتصادي يتشكل لاحقاً، خلال سنوات، وأحياناً لا يتشكل أبداً.

في هذا المستوى، يصبح الفرق بين المشروع المعلن والمشروع المنجز مركزياً. المشروع المعلن هو حدث إعلامي: توقيع، بلاغ، مؤتمر. المشروع المنجز هو مسار اقتصادي: تمويل، بناء، تشغيل. بين الحدث والمسار توجد فجوة زمنية ومؤسساتية معقدة، لا تظهر في الأرقام الإجمالية. التقرير لا ينتقد وجود هذه الفجوة، لأنها طبيعية في أي اقتصاد، لكنه ينتقد غياب تتبعها بشكل منهجي داخل المؤشرات.

وهنا يظهر ما يمكن اعتباره جوهر توصيات OECD: الانتقال من منطق التراكم إلى منطق التتبع. بدل تجميع كل المشاريع المعلنة في رقم واحد، يجب تتبع كل مشروع على حدة: هل تم تمويله؟ هل بدأ التنفيذ؟ هل دخل مرحلة الإنتاج؟ كم وظيفة خلق فعلياً؟ هذا النوع من التتبع يحول الأرقام من مجرد حصيلة إلى أداة تحليل.

لكن تطبيق هذا المنطق يطرح تحدياً أكبر مما يبدو. لأنه يكشف أن جزءاً من الأرقام التي تُعرض اليوم كإنجازات، قد يحتاج إلى إعادة تصنيف. مذكرات التفاهم ستصبح نوايا استثمارية، المشاريع المصادق عليها ستصبح التزامات، والمشاريع المنجزة فقط ستبقى ضمن الاستثمار الفعلي. هذا التفكيك لا يقلل من قيمة العمل المنجز، لكنه يعيد ترتيب مكوناته، وهو ما قد يغير الصورة العامة بشكل ملموس.

في هذا السياق، تكتسب مسألة الزمن أهمية خاصة. الاستثمار ليس حدثاً آنياً، بل مسار يمتد لسنوات. حين يتم الإعلان عن مشروع اليوم، قد لا يظهر أثره قبل ثلاث أو خمس سنوات. لكن في الخطاب الترويجي، يتم احتساب هذا المشروع فور توقيعه. هذا الاختلاف في الزمن يخلق ما يمكن وصفه بتضخم لحظي: الأرقام ترتفع بسرعة، بينما الأثر يتأخر. ومع تراكم السنوات، يصبح من الصعب التمييز بين ما تحقق فعلاً وما لا يزال في طور التحقق.

منظمة OECD لا تقترح فقط تغيير المؤشرات، بل تغيير العلاقة مع الزمن. أي ربط كل رقم بسياقه الزمني: متى تم الإعلان عنه؟ متى بدأ التنفيذ؟ متى تحقق الأثر؟ هذا الربط يبدو بديهياً، لكنه غائب في كثير من الأحيان عن البلاغات الرسمية، التي تميل إلى تقديم الأرقام في صيغة تراكمية ومجردة من الزمن.

النقطة الأخرى التي تثيرها المنظمة، بشكل غير مباشر، تتعلق بموارد AMDIE. الترويج الدولي، بناء العلامة، تنظيم المعارض… كلها أنشطة تتطلب ميزانيات مهمة. السؤال الذي يطرحه التقرير ليس حول شرعية هذه النفقات، بل حول مردوديتها. كيف يمكن قياس العائد على الاستثمار في الترويج؟ كم استثماراً فعلياً يمكن ربطه مباشرة بحملة ترويجية معينة؟ هذه الأسئلة تبقى في الغالب بدون جواب دقيق، لأن العلاقة بين الترويج والنتيجة ليست خطية.

وهنا تظهر مفارقة أخرى في معطيات AMDIE: يمكن أن تكون هناك علاقة قوية بين الترويج والاستثمار، لكن يصعب إثباتها رقمياً. وهذا ما يجعل من السهل تقديم الترويج كنجاح في حد ذاته، دون الحاجة إلى ربطه بنتائج ملموسة. التقرير لا يدين هذا المنطق، لكنه يدعو إلى تجاوزه، عبر تطوير أدوات تقييم أكثر تعقيداً، قادرة على الربط بين الجهد والنتيجة، حتى لو بشكل تقريبي.

في العمق، ما تقدمه OECD ليس نقداً لسياسة معينة، بل نقداً لمنهجية القياس. لأن نفس السياسة يمكن أن تبدو ناجحة أو متوسطة أو حتى ضعيفة، حسب الطريقة التي تُقاس بها نتائجها. في الحالة المغربية، المشكلة ليست في غياب النتائج، بل في صعوبة قراءتها بدقة.

وهنا نصل إلى المفارقة النهائية التي يلمّح إليها التقرير دون أن يصرح بها: المغرب قد يكون يحقق نتائج أفضل مما تظهره بعض المؤشرات أو أقل مما توحي به مؤشرات أخرى. ليس لأن الأرقام خاطئة، بل لأنها تجمع مستويات مختلفة من الواقع الاقتصادي داخل نفس المؤشر.

في هذا الإطار، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نجحت AMDIE في جذب الاستثمار؟ بل: كيف يمكن قياس هذا النجاح بطريقة تعكس فعلاً ما يحدث على الأرض؟

الإجابة التي تقترحها OECD واضحة في جوهرها، حتى لو بدت تقنية في ظاهرها: يجب الفصل بين النية والتنفيذ، بين الإعلان والأثر، بين النشاط والنتيجة. يجب تحويل الأرقام من أدوات ترويج إلى أدوات فهم.

لكن هذا التحول ليس تقنياً فقط، بل سياسي أيضاً، لأنه يغير طبيعة الخطاب نفسه. من خطاب يعتمد على الحجم، إلى خطاب يعتمد على الدقة. من خطاب يجمع، إلى خطاب يفرّق. من رقم واحد كبير، إلى مجموعة أرقام أصغر لكنها أكثر معنى.
وهنا تحديداً تكمن صعوبة الإصلاح. لأن الأرقام الكبيرة سهلة التسويق، لكنها صعبة التفسير. بينما الأرقام المفككة أصعب تسويقاً، لكنها أكثر صدقاً اقتصادياً.

في النهاية، لا يدعو التقرير إلى تقليص طموح الوكالة المغربية لتنمية ااستثمارات والصادرات AMDIE، بل إلى إعادة تعريفه. الطموح لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو حجم المشاريع المعلنة، بل بقدرة النظام على تحويل هذه الاتفاقيات إلى واقع اقتصادي ملموس، وعلى قياس هذا التحول بدقة.

وبين ما يُعلن وما يتحقق، وبين ما يُقاس وما يجب أن يُقاس، تتشكل الصورة الحقيقية. صورة لا تنفي الدينامية، لكنها تضعها في إطار أكثر تعقيداً: إطار يعترف بأن الاستثمار ليس رقماً واحداً، بل سلسلة كاملة من التحولات، لا تكتمل إلا حين تصل إلى الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى