
تشهد العلاقات التجارية بين المغرب والولايات المتحدة فصلاً بالغ التعقيد في قطاع الأسمدة الفوسفاطية، بعد أن أطلقت لجنة التجارة الدولية الأمريكية في 27 فبراير الماضي مراجعة إلزامية تمتد لخمس سنوات للرسوم التعويضية المفروضة على واردات الأسمدة من المغرب وروسيا، في خطوة تحمل تداعيات كبيرة على دينامية تجارة الفوسفاط العالمية.
وتعود جذور هذا النزاع التجاري الطويل إلى شكوى تقدمت بها شركة The Mosaic Company، أكبر منتج للأسمدة الفوسفاطية في الولايات المتحدة، إلى وزارة التجارة الأمريكية في صيف 2020، متهمة فيها منتجين من المغرب وروسيا بالحصول على دعم حكومي يمنحهم أفضلية غير عادلة في السوق الأمريكية.
وبعد تحقيقات مطوّلة أصدرت وزارة التجارة قراراً في أبريل 2021 بفرض رسوم تعويضية على واردات الأسمدة الفوسفاطية من المغرب ومنتجين روس، بلغت تلك الرسوم عند تطبيقها الأولي نحو 19.97 في المائة على صادرات مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط إلى الولايات المتحدة، في حين كانت النسبة المفروضة على شركة PhosAgro الروسية حوالي 18.21 في المائة، كما شملت نسب أعلى بعض الشركات الروسية الأخرى. وقد أيدت لجنة التجارة الدولية الأمريكية هذه الإجراءات بعد أن خلصت إلى أن الواردات المعنية ألحقت ضرراً مادياً بالصناعة الأمريكية.
كان لهذا القرار أثر ملموس في توازنات سوق الأسمدة داخل الولايات المتحدة، إذ مثل تراجع الشحنات المغربية إلى هذا السوق أحد أبرز انعكاسات الرسوم المفروضة، بعدما كانت السوق الأمريكية في السابق وجهة هامة لصادرات الفوسفاط المغربي.
وتشير تقديرات متداولة في القطاع إلى أن الصادرات المغربية فقدت ما يقارب مليوني طن سنوياً من المبيعات المباشرة في السوق الأمريكية خلال السنوات الأولى التي أعقبت فرض الرسوم، ما دفع مجموعة OCP إلى إعادة توجيه جزء كبير من إنتاجها نحو أسواق أخرى في أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، في محاولة لتعويض جزء من الخسائر الناتجة عن القيود في السوق الأمريكية. ومع ذلك، لم يختف حضور الأسمدة المغربية في الولايات المتحدة بشكل كامل، إذ استمرت بعض التدفقات التجارية ولكن بكميات أقل وبكلفة أعلى نتيجة الرسوم المفروضة.
منذ صدور القرار الأولي سنة 2021 خضع الملف لعدة مراجعات إدارية سنوية من قبل وزارة التجارة الأمريكية، وهي مراجعات تهدف إلى إعادة تقييم نسب الرسوم استناداً إلى المعطيات التجارية والمالية الجديدة. وقد عرف هذا المسار تقلبات ملحوظة في معدلات الرسوم المفروضة على صادرات OCP، إذ جرى تخفيضها بشكل كبير في إحدى المراحل لتقترب من 2 في المائة قبل أن يعاد رفعها لاحقاً نتيجة إعادة تقييم بعض عناصر الدعم المزعوم.
وفي نهاية سنة 2024 استقر المعدل التقريبي للرسوم المفروضة على الصادرات المغربية في حدود 16.6 في المائة بعد تصحيح تقني في الحسابات، في حين بقيت الرسوم المفروضة على شركة PhosAgro الروسية في حدود 18.21 في المائة. وعلى الرغم من أن هذه المراجعات السنوية كانت تُنظر إليها آنذاك كتصحيحات فنية نسبية، فإن إطلاق المراجعة الخمسية في فبراير 2026 يمثل لحظة أكثر حسماً في هذا النزاع، لأنها لا تقتصر على تعديل الأرقام بل قد تحدد مستقبل الرسوم نفسها في السنوات الخمس المقبلة.
يكتسي هذا النزاع التجاري أهمية استثنائية في سياق اقتصاد عالمي يشهد اضطرابات قوية في سوق الأسمدة الفوسفاتية. فقد أدت القيود التي فرضتها الصين على صادرات الفوسفات منذ 2021، إضافة إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا، إلى تقلّص المعروض العالمي من الأسمدة وارتفاع الأسعار في عدد من الأسواق.
وفي الولايات المتحدة تحديداً سجلت أسعار أسمدة ثنائي فوسفات الأمونيوم (DAP) وأحادي فوسفات الأمونيوم (MAP) مستويات مرتفعة خلال عدة مواسم زراعية متتالية، وهو ما زاد من حساسية القطاع الزراعي الأمريكي تجاه أي قيود إضافية على الواردات، خصوصاً في ظل حاجة مزارعي الذرة وفول الصويا إلى مدخلات بأسعار معقولة لضمان تنافسية الإنتاج المحلي. وقد عبّرت جمعيات تمثل هؤلاء المزارعين عن مخاوفها من أن الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات قد ترفع تكاليف الأسمدة، ما ينعكس في نهاية المطاف على تكاليف الإنتاج الزراعي.
في هذا السياق، يرى البعض في استمرار الرسوم وسيلة لحماية الصناعة المحلية الأمريكية، بينما يرى آخرون أنها ترفع تكاليف الأسمدة وتُثقل كاهل المزارعين. وتلتقي هذه النظرة مع الهدف القانوني للمراجعة الخمسية، التي تسعى إلى تقدير ما إذا كان استمرار الرسوم ضرورياً لحماية الصناعة الأمريكية أم أن الظروف الاقتصادية قد تغيرت بما يسمح بتخفيفها أو إلغائها.
ومن هنا تكتسب مراجعة 2026 بعداً استراتيجياً أشمل، لأنها قد تمهد الطريق أمام إعادة توجيه كميات أكبر من صادرات الفوسفاط المغربية نحو الولايات المتحدة، أو على العكس قد تشهد تمديد الرسوم لخمس سنوات أخرى إذا قررت السلطات الأمريكية أن الضرر المحتمل للصناعة المحلية لا يزال قائماً.
خلف هذا النزاع التجاري، توجد معطيات استراتيجية غالباً ما تبقى خفية في الخطاب الرسمي، إذ لا يتم الإقرار بها صراحة في المستندات القانونية التي تطرح على الطاولة، لكنها تلعب دوراً حقيقياً في دينامية المنافسة. فالمغرب يمتلك أكبر احتياطات معروفة من الفوسفاط في العالم، ما يمنحه قدرة تنافسية طويلة الأمد في تلبية الطلب العالمي على هذه المادة الاستراتيجية.
وتملك مجموعة OCP قدرة كبيرة على تأمين المادة الأولية بكلفة أقل نسبياً مقارنة بمنتجين آخرين، ما يجعل أي تمدد قوي لصادراتها في الأسواق الكبرى أمراً ذا تأثير على الأسعار العالمية. وفي مقابل ذلك تعتمد شركات أمريكية مثل Mosaic على احتياطيات فوسفاطية محدودة داخل الولايات المتحدة، وهي احتياطيات تتناقص تدريجياً، ما يجعل المنافسة مع منتجين يمتلكون موارد ضخمة مثل المغرب أكثر تعقيداً على المدى الطويل.
علاوة على ذلك، تحولت OCP خلال العقدين الأخيرين من مجرد مورد للفوسفاط الخام إلى شركة عالمية متكاملة في صناعة الأسمدة، تستثمر في الصناعات التحويلية والبحث الزراعي وتطوير المنتجات، وهو ما يعزز موقعها في أسواق متعددة ويزيد من قدرتها على منافسة كبار المنتجين العالميين في منتجات ذات قيمة مضافة عالية.
كما أن السوق الأمريكية نفسها تمثل هدفاً استراتيجياً للعديد من المنتجين الدوليين، ليس فقط من المغرب وروسيا، بل أيضاً من دول أخرى مثل السعودية والأردن وبيرو، إذ تستورد الولايات المتحدة كميات كبيرة من الأسمدة الفوسفاتية لتلبية احتياجات قطاعها الزراعي الضخم.
ومن هنا فإن أي تغيير في السياسات التجارية المتعلقة بالأسمدة داخل الولايات المتحدة قد يؤثر ليس فقط على الشركات المنتجة، بل أيضاً على توازنات العرض والطلب على المستوى العالمي. ويعكس ذلك أبعاداً أعمق من مجرد نزاع تجاري بين طرفين، فهو في الواقع جزء من صراع أوسع على النفوذ في تجارة الفوسفاط العالمي بين منتجين كبار، ويقيس قدرة الدول والشركات على حماية مصالحها الاقتصادية في مواجهة السياسات الحمائية.
سياسياً، يكتسب هذا الملف بعداً آخر نظراً لطبيعة العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة، التي شهدت تطوراً لافتاً منذ سنة 2020 بعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء في قرار اتخذته إدارة الولايات المتحدة في دجنبر من ذلك العام، وتوسعت بعدها الشراكات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين البلدين، بما في ذلك صفقات تسليح وتعاون في مجالات متعددة من بينها الطاقة والاستثمار. ورغم هذه الشراكات، تظل النزاعات التجارية خاضعة في الغالب لمنطق حماية الصناعات المحلية داخل الولايات المتحدة، حتى عندما يتعلق الأمر بدول حليفة، وهذا ما يظهر بوضوح في ملف الرسوم على الأسمدة الفوسفاتية.
إلغاء كامل للرسوم على الأسمدة المغربية.. خبر مبالغ فيه
إلى جانب ذلك، انتشرت خلال الأشهر الأخيرة على بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي أخبار تشير إلى أن الولايات المتحدة قررت إعادة فتح سوقها بالكامل أمام الأسمدة المغربية وإلغاء الرسوم المفروضة عليها، وأن ذلك سيدفع صادرات المغرب بقوة إلى السوق الأمريكية، وخاصة في ظل بقاء القيود على الأسمدة الروسية. غير أن التدقيق في المسار القانوني للقضية يظهر أن هذه المعطيات مبالغ فيها إلى حد كبير، إذ لم يصدر حتى الآن أي قرار نهائي يقضي بإلغاء الرسوم التعويضية، بل إن ما يجري حالياً يقتصر على مراجعة قانونية دورية لتحديد مستقبل هذه الإجراءات، وهي مرحلة قانونية معروفة في التشريع التجاري الأمريكي، وليست قراراً قضائياً بإلغاء الرسوم.
المراجعة التي أطلقتها لجنة التجارة الدولية الأمريكية قد تستمر عدة أشهر قبل صدور القرار النهائي المتوقع في أواخر سنة 2026، وقد تستقبل اللجنة ملاحظات من الشركات المعنية والهيئات الحكومية والفاعلين في القطاع الزراعي، ومن المرجح أن يتم خلالها تحليل تأثير الرسوم على الصناعة الأمريكية ومدى الضرر المحتمل. وإذا اعتبرت اللجنة أن الخطر ما يزال قائماً فإن الرسوم قد تُمدد لخمس سنوات إضافية، أما إذا تبين أن الظروف الاقتصادية تغيرت وأن الواردات لم تعد تشكل تهديداً مباشراً للصناعة الأمريكية فقد يتم تخفيف الرسوم أو إلغاؤها. وفي كلتا الحالتين، سيكون لهذا القرار تأثير مهم على دينامية تجارة الفوسفاط والأسمدة على المستويين الإقليمي والعالمي.
في انتظار صدور القرار النهائي، يبقى هذا الملف مثالاً واضحاً على تعقيدات التجارة الدولية في قطاع استراتيجي مثل الأسمدة، حيث تتداخل المنافسة الصناعية مع الاعتبارات الجيوسياسية والسياسات الحمائية، ويبرز فيه التوازن بين حماية الصناعات المحلية وضمان توفر المدخلات الإنتاجية بأسعار معقولة للقطاع الزراعي.
وبالنسبة للمغرب، قد تفتح هذه المراجعة الباب أمام استعادة حضوره داخل السوق الأمريكية إذا ما تغيرت المعطيات الاقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تبرز حجم التحديات التي يواجهها المصدرون في عالم يتجه بشكل متزايد نحو تشديد القيود التجارية وحماية الصناعات الوطنية، مما يجعل من هذا القرار القادم محطة مهمة ليس فقط للمغرب وإنما لصناعة الأسمدة العالمية ككل.





