
حين يهبط سعر البيض في المغرب إلى حدود 0.80 درهم، يصبح المشهد مثاليا لولادة تفسير سريع على إيقاع الشبكات الاجتماعية: ترند “نظام الطيبات” للطبيب المصري الراحل ضياء العوضي. لكن السوق، بطبيعته، لا يعترف بهذه التفسيرات. فهو لا يتحرك وفق موجات الكلام، بل وفق توازنات أكثر صلابة وهدوءا: كلفة الإنتاج، حجم العرض، بنية الطلب، وسلاسل توزيع لا ترحم عندما يختل الإيقاع.
خلال الأشهر الأخيرة، لم يكن سوق البيض في المغرب ثابتا على حال. الأسعار تحركت صعودا إلى مستويات تراوحت بين 1.60 و1.90 درهم في فترات معينة، قبل أن تبدأ موجة تراجع تدريجية نحو حدود 1.20 درهم في عدد من الأسواق، وسط تقديرات مهنية تشير إلى أن ضغط الوفرة وضعف الطلب الموسمي قد يواصلان الدفع نحو مزيد من الانخفاض.
في هذا السياق، فإن تراجع السعر إلى ما دون 0.80 درهم لا يبدو قطيعة مع المسار، بقدر ما يبدو محطة إضافية في دورة تصحيح للسعر مألوفة في أسواق المواد الغذائية سريعة الدوران.
غير أن ما يلفت الانتباه ليس حركة الأسعار في حد ذاتها، بل طريقة تفسيرها. الرأي العام يميل بشكل متزايد إلى تبسيط المعقد، وإسناد الظواهر الاقتصادية إلى “فاعل” واحد أو “ترند” رقمي طارئ. وهنا يظهر اسم الطبيب المصري المتداول على المنصات الاجتماعية كجزء من النقاش، لا كعنصر داخل سلسلة القيمة الفعلية لسوق البيض في المغرب. وبالقدر الذي يخلق فيه الترند ضجيجا سرديا، فإنه لا يقدم أي تفسير اقتصادي قابل للصمود أمام الوقائع: لا إنتاج البيض، ولا تكاليف الأعلاف، ولا قنوات التوزيع تمر عبره.
في الواقع، تفسير انخفاض السعر لا يحتاج إلى أكثر من العودة إلى أساسيات السوق. عندما يتجاوز العرض مستوى الطلب، وعندما تتراكم الكميات في حلقات توزيع لا تحتمل التخزين الطويل، يصبح الضغط نحو خفض السعر نتيجة شبه تلقائية. البيض، تحديدًا، سلعة لا تمنح هامشا واسعا للمناورة الزمنية؛ أي فائض غير مصروف يتحول بسرعة إلى عبء، وكلفة الاحتفاظ به قد تفوق جدوى الانتظار. في مثل هذه الحالات، يصبح تخفيض السعر أداة لتصفية السوق لا نتيجة لحدث خارجي.
لكن زاوية المستهلك وحدها لا تكفي لفهم الصورة. صحيح أن تراجع السعر إلى مستويات دنيا يخلق انطباعًا إيجابيًا لدى الأسر، لكنه في المقابل يفتح سؤالًا أكثر حساسية لدى المنتجين: هل ما زالت هذه الأسعار تغطي كلفة الإنتاج؟ وهل نحن أمام دورة تصحيح صحية أم أمام ضغط قد يمتد ليصيب استدامة الفاعلين في القطاع؟ التجربة تُظهر أن فترات الوفرة الحادة غالبًا ما تعقبها موجات ضغط على الهوامش، وأحيانا خسائر صامتة لا تظهر فورا في الأرقام.
من هنا، يصبح الربط بين “الترند” وسعر البيض قراءة مريحة لكنها مضللة. مريحة لأنها تقدم قصة سهلة التداول، ومضللة لأنها تتجاهل البنية الحقيقية التي تحكم السوق. الأسعار لا تنخفض لأن النقاش الرقمي ارتفع، بل لأن المعادلة الاقتصادية داخل السوق اختلت لصالح العرض، ولأن دورة الإنتاج والتوزيع فرضت إيقاعها الخاص.
ما نعيشه اليوم في سوق البيض ليس استثناء، بل لحظة من لحظات التصحيح التي تعرفها الأسواق حين تتقاطع الوفرة مع هشاشة الطلب. والسؤال الجوهري لا ينبغي أن يكون: من تسبب في هذا الانخفاض؟ بل: هل يعكس هذا السعر الجديد توازنا مستداما أم مجرد مرحلة مؤقتة في سوق ما زال حساسا وسريع التقلب؟
في النهاية، الترند قد يشرح الضجيج، لكنه لا يفسر السعر. والسوق، في كل مرة، يذكّرنا بأن الاقتصاد لا يُدار بالقصص، بل بالأرقام.






