رئيسيةمتابعات

تقرير برلماني: المملكة دخلت سباق الرقمنة لكن بأقدام مثقلة

تكشف الأجوبة التي قدمتها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أمام لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة بمجلس النواب أن المملكة دخلت فعليا سباق الرقمنة، لكن بأقدام مثقلة بتعقيدات الحكامة وتضارب المبادرات وضعف التنسيق بين الإدارات. فبينما تستعرض الحكومة سلسلة طويلة من المشاريع المرتبطة بالجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية والإدارة الإلكترونية، يضع التقرير البرلماني إصبعه على جوهر الأزمة: التحول الرقمي بالمغرب ما يزال يدار بعقلية قطاعية مشتتة، دون قيادة مركزية قادرة على فرض الانسجام بين مختلف الأوراش.

الوثيقة الرسمية، التي جاءت تحت عنوان يحمل الكثير من الدلالات حول “مجهودات قطاعية تفتقد للالتقائية ولقيادات التغيير”، تعكس بوضوح أن المؤسسة التشريعية نفسها لم تعد تنظر إلى الرقمنة باعتبارها مجرد مشاريع تقنية، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحديث الإدارة وإعادة هيكلة علاقتها بالمواطن والمقاولة.

ورغم أن الحكومة حاولت تقديم صورة طموحة حول ما تحقق في السنوات الأخيرة، فإن تفاصيل الوثيقة تكشف أن جزءا كبيرا من البنية القانونية والتنظيمية للتحول الرقمي ما يزال قيد الإعداد، سواء تعلق الأمر بالتشغيل البيني بين الإدارات أو تبادل المعطيات أو حكامة الخدمات الرقمية، ما يعني أن الدولة أطلقت أوراشا ضخمة قبل استكمال قواعد اشتغالها المؤسساتية.

هذا التردد يظهر بشكل واضح في تجربة بوابة “إدارتي”، التي كان يفترض أن تتحول إلى نافذة موحدة للخدمات الإدارية الرقمية. فالوزارة نفسها أقرت بوجود اختلالات تقنية وتنظيمية تعيق الأداء الكامل للمنصة، مؤكدة أنها تعمل حاليا على نسخة جديدة أكثر تكاملا، تتضمن حسابا رقميا موحدا، وربطا مباشرا بين الإدارات، وتتبع الملفات الإدارية بشكل إلكتروني.

لكن الأرقام الواردة في الوثيقة تبدو أكثر دلالة من الخطاب الرسمي نفسه؛ فبالرغم من وجود أكثر من 600 خدمة رقمية على البوابة، فإن نسبة الخدمات المطابقة لمقتضيات حماية المعطيات الشخصية ما تزال محدودة، ما يكشف أن جزءا مهما من الإدارة الرقمية المغربية لم يصل بعد إلى مستوى النضج القانوني والمؤسساتي المطلوب.

وفي محاولة لتجاوز هذا الوضع، تراهن الحكومة على مشروع “IDARATI X.0”، الذي يقوم على مبدأ الهوية الرقمية السيادية والولوج الموحد للخدمات العمومية، في تصور جديد يسعى إلى الانتقال من رقمنة متفرقة للخدمات إلى منظومة رقمية مترابطة تقودها الدولة مركزيا.

الذكاء الاصطناعي بدوره لم يعد ملفا مؤجلا داخل الإدارة المغربية. فالوثيقة تكشف أن الحكومة تعمل على إعداد أول إطار قانوني ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية، مع توجه نحو تصنيف الأنظمة الرقمية حسب درجة المخاطر، وفرض إشعار المرتفقين عند استخدام الخوارزميات، مع الإبقاء على الرقابة البشرية داخل مسارات اتخاذ القرار.

كما تعتزم الوزارة إحداث مديرية خاصة بالذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس إدراك الدولة أن المنافسة المستقبلية لن تكون فقط حول البنيات التحتية، بل أيضا حول التحكم في البيانات والخوارزميات والقدرة على إنتاج خدمات عمومية ذكية.

وفي الجانب المرتبط بالبنية التحتية، تحاول الحكومة تقديم التحول الرقمي باعتباره مشروعا اقتصاديا وسياديا في الآن نفسه. فالمعطيات الرسمية تتحدث عن تعميم شبكات الصبيب العالي في آلاف المناطق القروية، وإطلاق خدمات الجيل الخامس في أكثر من 50 مدينة، مع استثمارات ضخمة تصل إلى 80 مليار درهم بحلول 2035.

كما تراهن الدولة على تعميم الألياف البصرية وربط ملايين الأسر المغربية بالأنترنت عالي الصبيب، بالتوازي مع إطلاق مشاريع مراكز بيانات وحوسبة سحابية ضخمة، من بينها مشروع “إيغودار” بالداخلة، ومشروع “مصنع الذكاء الاصطناعي” بالدار البيضاء، إضافة إلى مركز بيانات “جزري روت” بالرباط.

هذه المشاريع تعكس تحولا واضحا في خطاب الدولة، من مجرد رقمنة الإدارة إلى بناء ما تسميه الحكومة “السيادة الرقمية”، أي امتلاك القدرة على تخزين البيانات الوطنية ومعالجتها داخليا بدل الارتهان للبنيات التحتية الأجنبية.

اقتصاديا، تقدم الحكومة التحول الرقمي باعتباره رافعة للتشغيل والاستثمار. فالوثيقة تتحدث عن عشرات الاتفاقيات مع شركات دولية، ومشاريع ينتظر أن توفر أزيد من 24 ألف منصب شغل مباشر، إلى جانب تخصيص 1.3 مليار درهم لدعم الشركات الناشئة الرقمية ومواكبة مئات المقاولات نحو الأسواق الدولية.

كما تراهن الدولة على التعليم والتكوين لسد الخصاص المتزايد في الكفاءات الرقمية، عبر توسيع المسالك الجامعية المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وإحداث مؤسسات متخصصة مثل المدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي والرقمنة ببركان، إلى جانب برامج إعادة التأهيل المهني ومدارس البرمجة.

لكن خلف هذا الزخم الرقمي، تظل الفجوة الرقمية واحدة من أكبر التحديات التي تواجه المغرب. فالتفاوت في الولوج إلى الأنترنت والخدمات الرقمية بين العالم القروي والمدن، وبين الفئات الاجتماعية، ما يزال يهدد بتحول الرقمنة نفسها إلى مصدر جديد لإعادة إنتاج الفوارق بدل تقليصها.

ولهذا تبدو الوثيقة الحكومية أقرب إلى اعتراف غير مباشر بأن المغرب ما يزال في مرحلة بناء أسس التحول الرقمي أكثر من كونه بلغ مرحلة النضج الرقمي الكامل. فالدولة تمتلك اليوم مشاريع ضخمة واستثمارات مهمة وخطابا طموحا، لكنها ما تزال تبحث عن العنصر الأهم: قيادة رقمية موحدة قادرة على تحويل هذا التراكم من المبادرات إلى منظومة متجانسة وفعالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى