رئيسيةوجهات نظر

ضربة معلم: كيف يدير بنك المغرب عملية التغيير النقدي بصمت محسوب

يقدّم ناصر أرجي، المستشار في الاتصال الاستراتيجي، قراءة مختلفة للقرار الأخير لبنك المغرب المتعلق بسحب القوة الإبرائية لأوراق الدرهم من سلسلة 1987، معتبراً أنه لا يختزل في مجرد تحديث نقدي كما يبدو للعموم، بل يشكل خطوة استراتيجية صامتة تتم هندستها بقدر كبير من الدقة.

ويرى أن هذا الإجراء، الذي قد يظهر للبعض إدارياً وتقنياً، يخفي وراءه عملية تنظيمية واسعة تعيد ضبط التوازنات النقدية وتصحح مسارات السيولة داخل الاقتصاد الوطني. فبنك المغرب، بهذا القرار، لا يستبدل أوراقاً قديمة فقط، بل يعيد تشكيل جزء من المشهد المالي بطريقة محسوبة ومتدرجة.

ويشير أرجي إلى أن المرحلة الأولى من تأثير القرار تتجلى في تحريك ما يسميه “الأموال النائمة” الموجودة خارج الدورة البنكية، وهي كتل ضخمة من السيولة ظلت لسنوات حبيسة الاقتصاد غير المهيكل. فمن خلال فقدان الأوراق القديمة لقوتها الإبرائية، يجد أصحاب هذه السيولة أنفسهم مدفوعين إلى إدخالها مجدداً إلى النظام البنكي من أجل استبدالها، حتى وإن لم يُفرض عليهم أي شرط صريح. ويمثل هذا التدفق، حسب أرجي، عملية إنعاش مالية تضخ سيولة جديدة في شرايين النظام الرسمي، وتقلّص من حجم الاقتصاد الموازي الذي ظل يشكل تحدياً دائماً أمام الدولة ومؤسساتها المالية.

وفي تفسيره للبعد الثاني للعملية، يلفت أرجي إلى ما يسميه “مصيدة المخمل”، حيث يحافظ الاستبدال على مظهره السلس وغير المشروط، لكنه يحمل في جوهره دينامية رقابية طبيعية. فوفود السيولة إلى البنوك بكميات مهمة سيؤدي تلقائياً إلى تشغيل آليات التتبع والامتثال ومراقبة مصادر الأموال، في انسجام مع القوانين المتعلقة بمحاربة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. ويتم كل ذلك دون حملات أو إجراءات صارمة، بل عبر تفاعل تلقائي بين النظام البنكي ومعطيات السوق. وهي، بحسب تعبيره، اليد الصارمة داخل قفاز ناعم، حيث تتقوى الرقابة دون ضجيج أو مواجهة.

ويربط أرجي هذا المسار بأفق أبعد يتجاوز اللحظة الراهنة، وهو أفق 2030 الذي يستعد فيه المغرب لاحتضان حدث عالمي بحجم كأس العالم. ويعتبر أن تحديث السياسة النقدية ليس مجرد عملية تقنية، بل واجهة تعكس مكانة المغرب المؤسساتية وقدرته على تقديم صورة مالية حديثة ومتناسقة مع رهانات المرحلة. فاعتماد عملة نظيفة وحديثة جزء من متطلبات التحضير لاقتصاد مستقبلي أكثر شفافية ومتانة، ورسالة واضحة بأن المغرب يبني منظومته المالية بما يتناسب مع طموحاته الدولية.

وفي هذا التحليل، يبرز أرجي أن قرار بنك المغرب يمثل عملية ذات أبعاد متعددة، تجمع بين إحياء السيولة المجمدة، وتعزيز الامتثال البنكي، وتحديث صورة العملة الوطنية، وإعادة هندسة العلاقة بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، في خطوة محسوبة تعكس فهماً استراتيجياً عميقاً لدينامية المال ودور المؤسسات النقدية في لحظات التحول الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى