
أعلنت وزارة الاقتصاد والمالية إنهاء مهام نور الدين بنسودة من منصبه كمدير عام للخزينة العامة للمملكة، بعد مسار مهني طويل دام أكثر من ستة عشر عاماً على رأس واحدة من أكثر المؤسسات المالية حساسية في المغرب، وذلك في إطار إعادة تنظيم داخلية تشهدها الوزارة، مع تكليف عبد اللطيف العمراني، المدير العام السابق لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، بتولي مهام الخازن العام للمملكة بصفة مؤقتة في انتظار تعيين رسمي.
وشغل بنسودة هذا المنصب منذ سنة 2010، في سياق اتسم بتعاقب حكومات مختلفة وتغيرات عميقة عرفتها المالية العمومية، سواء على مستوى إصلاح المنظومة الجبائية، أو تدبير نفقات الدولة، أو تحديث آليات المراقبة وتتبع تنفيذ الميزانية. وقد اعتُبر بقاؤه في المنصب طيلة هذه المدة مؤشراً على الثقة المؤسساتية التي حظي بها، بالنظر إلى الطابع التقني والاستراتيجي للمهام المرتبطة بالخزينة العامة.
هذا مسار نور الدين بنسودة..
نور الدين بنسودة، المزداد سنة 1963 بالرباط، يُعد من الأطر التي راكمت تجربة طويلة داخل وزارة الاقتصاد والمالية منذ التحاقه بها في ثمانينيات القرن الماضي. تدرج في عدد من المناصب العليا، حيث شغل في بداية التسعينيات مهام رئيس ديوان الوزير، ثم مساعد مدير الضرائب، قبل أن يُعين سنة 1999 مديراً عاماً للإدارة العامة للضرائب، وهو المنصب الذي ظل يشغله إلى غاية 2010. خلال هذه المرحلة، ارتبط اسمه بعدد من الإصلاحات التي همّت توسيع الوعاء الضريبي، وتعزيز المراقبة الجبائية، وتحديث الإدارة الضريبية من خلال إدماج الرقمنة بشكل تدريجي.
وفي أبريل 2010، تم تعيينه خازناً عاماً للمملكة، ليشرف على مرحلة دقيقة تميزت بارتفاع الضغوط على المالية العمومية، خاصة في أعقاب الأزمة المالية العالمية، ثم لاحقاً تداعيات الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، بما فيها جائحة كوفيد-19. وخلال هذه الفترة، اضطلعت الخزينة العامة بدور محوري في تنفيذ سياسات الإنفاق العمومي، وضمان استمرارية أداء الدولة لالتزاماتها المالية، إضافة إلى مواكبة إصلاحات مرتبطة بتدبير مالية الجماعات الترابية وتطوير آليات الحكامة المالية.
ورغم الإشادة التي حظي بها أداؤه من طرف عدد من المتتبعين، لم تخلُ فترته من نقاشات وانتقادات، خاصة تلك المتعلقة بتوازنات المالية العمومية، ومستوى التحكم في النفقات، وكذا بطء تنزيل بعض الإصلاحات المرتبطة بالجبايات المحلية وتوحيد مساطر التحصيل. غير أن هذه الانتقادات ظلت في إطار النقاش العمومي والسياسات العمومية، دون أن تصدر في حقه معطيات رسمية تفيد بوجود متابعات أو اختلالات شخصية مثبتة.
على المستوى الأكاديمي، يتوفر نور الدين بنسودة على مسار علمي متقدم، إذ حصل على دكتوراه في القانون العام من جامعة باريس 1 بانتيون-سوربون، إلى جانب دكتوراه ثانية في القانون العام من جامعة محمد الخامس بالرباط، كما سبق له أن شارك في عدد من اللجان والهيئات الدولية المعنية بالتعاون الضريبي والمالي، ما عزز حضوره في النقاشات المرتبطة بإصلاح النظم الجبائية وتحديث الإدارة المالية.
أما عبد اللطيف العمراني، الذي كُلف بتولي مهام الخازن العام للمملكة بالنيابة، فيُعد بدوره من الأطر الإدارية ذات التجربة الواسعة، حيث راكم مساراً طويلاً داخل إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، وتولى إدارتها العامة لسنوات، أشرف خلالها على إصلاحات همّت تبسيط المساطر، وتعزيز محاربة التهريب، وتطوير الرقمنة في العمليات الجمركية. ويُنتظر أن يضمن هذا التكليف المؤقت استمرارية عمل الخزينة العامة وسلاسة تدبير الملفات الجارية، في انتظار ما ستسفر عنه القرارات اللاحقة بخصوص التعيين الرسمي.
ويأتي هذا الرحيل في مرحلة حاسمة تمر بها المؤسسة، تتسم بالتنزيل المعقد لإصلاح تحصيل الضرائب المحلية. هذا الورش الضخم، الذي يثير بعض التوترات، ينص على النقل التدريجي لهذه الاختصاصات إلى الجماعات الترابية. ولإنجاح هذه المهمة، سيتعين على هذه الأخيرة إحداث 92 قباضة جماعية لضمان استمرارية وفعالية عملية التحصيل.






